من 70 دولاراً إلى 100 في ثلاثة أسابيع: كيف أعاد مضيق هرمز شبح الركود التضخمي إلى طاولة الاقتصاد العالمي؟
تفاؤل الهدنة الأميركية الإيرانية تبخّر مع هجمات الحوثيين على ناقلتين سعوديتين، فيما ترفع الأسواق رهاناتها على تشديد نقدي جديد من واشنطن وفرانكفورت في وقت واحد
سفن قرب مضيق هرمز — الممر الذي يقرر عبوره أو انسداده اتجاه أسعار النفط العالمية (رويترز)
قبل أسابيع قليلة فقط، كانت الأسواق العالمية تحتفل بهدوء نسبي؛ تراجع خام برنت إلى نحو 70 دولاراً للبرميل مطلع يوليو (تموز)، ورأى كثير من المحللين أن اتفاق التهدئة المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران سيمنح الاقتصاد العالمي فرصة نادرة للهروب من موجة تضخمية جديدة. لم يدم هذا التفاؤل شهراً كاملاً.
فبعد تجدد المواجهات في المنطقة، واتساع اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر عقب هجمات الحوثيين على ناقلة نفط سعودية، عاد خام برنت ليلامس مستوى 100 دولار للبرميل، مسجلاً ارتفاعاً بنحو 40% خلال يوليو وحده — أكبر قفزة شهرية منذ مارس (آذار). والنتيجة: شبح الركود التضخمي، ذاك السيناريو الذي يجمع بين ضعف النمو واستمرار التضخم المرتفع، يعود ليخيّم من جديد على البنوك المركزية وصنّاع السياسات في آنٍ واحد.
من التفاؤل إلى الانتكاسة: مسار برنت خلال 2026
متوسط سعر خام برنت الشهري خلال 2026 (دولار للبرميل)
المصدر: مجموعة رابيدان للطاقة (Rapidan Energy Group)، رويترز
يكشف هذا المسار المتعرج حجم الهشاشة التي يعيشها سوق النفط؛ قفزة إلى 117 دولاراً في أبريل (نيسان) مع ذروة الحرب، فتراجع حاد إلى 85 دولاراً في يونيو (حزيران) مع بوادر الهدنة، ثم ارتداد سريع نحو 100 دولار في يوليو مع أول اختبار حقيقي لصمود الاتفاق. كل جولة من هذه الجولات تعيد رسم توقعات التضخم في الأجل القصير، لأن أي ارتفاع في أسعار النفط ينعكس سريعاً على تكاليف النقل والإنتاج والكهرباء، قبل أن ينتقل إلى أسعار السلع والخدمات.
مضيق مزدوج تحت الضغط
لم تعد الأزمة محصورة في مضيق هرمز وحده؛ فبعد إعلان الحوثيين استهداف ناقلتين سعوديتين في البحر الأحمر، بات ممر باب المندب، الذي يحمل عادة ما بين 4 و5 ملايين برميل يومياً بديلاً لهرمز، مهدداً هو أيضاً — ما يزيل شبكة الأمان التي اعتمد عليها منتجو الخليج لتجاوز الاختناق الأول.
ثلاثية الضغط: طاقة، فوائد، ورسوم جمركية
ما يجعل الصورة الحالية أشد تعقيداً من أزمة مارس هو أن ثلاث جبهات ضغط تتحرك في اتجاه واحد في وقت واحد. فبجانب الطاقة، قفزت أسعار الغاز الطبيعي الأوروبية أكثر من 40% خلال يوليو لتسجل أعلى مستوياتها منذ مارس، بينما فرضت الولايات المتحدة رسوماً جمركية جديدة تراوحت بين 10% و12.5% على واردات من 60 شريكاً تجارياً، من بينهم الاتحاد الأوروبي والصين — وهو ما يضيف كلفة تضخمية مستقلة تماماً عن ملف النفط.
وتزامناً مع ذلك، أعادت الأسواق تسعير مسار الفوائد بالكامل. فبعدما كانت التوقعات تشير إلى تباطؤ التشديد النقدي، عادت المؤسسات لتراهن على زيادتين إضافيتين من البنك المركزي الأوروبي (European Central Bank) قبل نهاية العام، بينما ارتفع احتمال رفع بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي (Federal Reserve) الفائدة في اجتماعه المقبل من نحو 12% إلى ما يقارب 38% في غضون أسبوع واحد فقط، وقفز احتمال رفعها في اجتماع سبتمبر (أيلول) من 53% إلى أكثر من 80%.
"مخاطر الركود التضخمي كانت قائمة لكل اقتصاد منذ مارس، وباتساع الصراع الأخير ترتفع احتمالاتها فعلياً." — أليسيا بيراردي (Alessia Berardi)، رئيسة الاقتصاد الكلي العالمي في معهد أموندي للاستثمار (Amundi Investment Institute)
مَن الأكثر عرضة للصدمة المزدوجة؟
لا تتوزع تكاليف هذه الصدمة بالتساوي بين الاقتصادات الكبرى. فبينما تبدو الولايات المتحدة الأقل تعرضاً بفضل كونها منتجاً ومصدراً للطاقة، تجد أوروبا وآسيا نفسيهما في مواجهة "ضربة مزدوجة" حقيقية، على تعبير محللي مورجان ستانلي (Morgan Stanley): ارتفاع تكاليف الطاقة من جهة، وتشديد الأوضاع المالية من جهة أخرى.
| المنطقة | نقطة الضعف الرئيسية | المؤشر الدال |
|---|---|---|
| أوروبا | اعتماد كبير على واردات الطاقة + تشديد نقدي متوقع من البنك المركزي الأوروبي | تراجع اليورو دون 1.14 دولار لأدنى مستوى في ثلاثة أسابيع |
| آسيا (اليابان نموذجاً) | ضعف العملة يرفع قيمة فاتورة واردات النفط والغاز | الين عند أدنى مستوياته في أربعة عقود |
| الولايات المتحدة | أقل تعرضاً كمنتج للطاقة، لكنها ليست بمنأى عن الأثر الاستهلاكي | سعر البنزين يتجاوز 4 دولارات للغالون وارتفاع معدلات الرهن العقاري |
تبرز اقتصادات جنوب وجنوب شرق آسيا كحلقة أضعف إضافية؛ فقدرتها على استيعاب ارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء محدودة أصلاً، في وقت قد تضيف فيه ظاهرة "النينيو" ضغطاً موازياً على أسعار السلع الزراعية. أما مضيق هرمز، الذي يمر عبره عادة نحو خُمس تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً، وثلث تجارة الأسمدة وفق تقديرات شركة "كِبلر" (Kpler)، فيعني أن أي اضطراب طويل الأمد فيه قد يرفع أيضاً أسعار الغذاء في الاقتصادات الناشئة الأكثر اعتماداً على الواردات.
ما يغذي الضغط التضخمي وما يحاول تخفيفه
⚠️ عوامل التصعيد
- تعطل الملاحة في هرمز وباب المندب معاً
- ارتفاع الغاز الأوروبي أكثر من 40% في يوليو
- رسوم جمركية جديدة على 60 شريكاً تجارياً
- ارتفاع عوائد السندات وتكلفة الاقتراض عالمياً
✅ عوامل التخفيف المحتملة
- إفراج أكثر من 30 دولة عن 400 مليون برميل من مخزوناتها الاستراتيجية
- خطوط أنابيب بديلة للخليج (أبوظبي–الفجيرة) لتجاوز هرمز جزئياً
- مرونة الطلب الصيني على النفط مع مخزونات مرتفعة
- مساعي وساطة أميركية–إيرانية متجددة لتثبيت الهدنة
لكن هذه العوامل المخففة تبقى جزئية؛ فتحالف يقوده بريطانيا ويضم أكثر من 40 دولة تعهد بالمساعدة في تأمين هرمز، إلا أن استمرار الضربات المتبادلة بعد الإعلان عن الهدنة يبقي هذا الممر مغلقاً فعلياً في كثير من الأوقات، ما يفسر تردد شركات الشحن الكبرى، ومنها الشركة اليابانية "ميتسوي أو إس كيه لاينز" (Mitsui O.S.K. Lines)، في إعادة توجيه سفنها نحو المضيق قبل استقرار مستدام لا مجرد هدنة على الورق.
قبل أسبوع واحد
12%احتمال رفع الفيدرالي الأميركي الفائدة في اجتماعه المقبل
الآن
38%نفس الاحتمال بعد تصعيد يوليو وقفزة النفط إلى 100 دولار
أربعة سيناريوهات تتحكم فيها بوصلة واحدة: هرمز
يتفق معظم المحللين على أن مصير أسعار النفط، وبالتبعية مصير الركود التضخمي نفسه، يتحدد بمدى صمود إعادة فتح مضيق هرمز. وتُلخّص توقعات بنك جولدمان ساكس (Goldman Sachs) هذه المعادلة في جدول سيناريوهات واضح:
سيناريوهات جولدمان ساكس لأسعار خام برنت
| السيناريو | الشرط الجوهري | مسار السعر |
|---|---|---|
| الأساسي | تحسن تدفقات هرمز خلال أسابيع وتعافي تدريجي لصادرات الخليج | 82$ (ق3) ثم 80$ (ق4 2026) |
| السلبي | تأجيل إعادة الفتح شهراً كاملاً | يتجاوز 100$ في النصف الثاني من 2026 |
| الأخطر | إغلاق أطول مع فقدان جزء من الإنتاج الإقليمي | 120$ (ق3) و115$ (ق4)، مع متوسط قد يصل إلى 100$ طوال 2027 |
وتحذّر تقديرات البنك الدولي (World Bank) من أن استمرار الحرب وارتفاع أسعار الطاقة قد يخفضان نمو الاقتصاد العالمي إلى نحو 1.3% فقط، مقارنة بنحو 2.9% العام الماضي — وهو الفارق الذي يفسر لماذا تتحدث المؤسسات المالية عن "أصعب اختبار منذ عقود" أمام البنوك المركزية، إذ يصبح احتواء التضخم والحفاظ على النمو هدفين يصعب تحقيقهما في آنٍ واحد.
الفارق الحقيقي بين نسخة الركود التضخمي التي عاشتها الأسواق في مارس ونسختها الحالية في يوليو ليس في الرقم — فكلاهما يدور حول برنت عند 100 دولار — بل في تراكم الجبهات: طاقة مرتفعة، فوائد تتجه للصعود من جديد، ورسوم جمركية تضاف إلى معادلة التكلفة العالمية بمعزل تام عن الشرق الأوسط. طالما بقي مضيق هرمز نقطة الاختبار الوحيدة التي تتحكم في اتجاه هذه المعادلة، فإن أي هدوء لن يكون أكثر من هدنة مؤقتة قابلة للانهيار عند أول حادثة بحرية جديدة.
المصادر:
- الشرق الأوسط — شبح الركود التضخمي يعود لمحاصرة الاقتصاد العالمي (24 يوليو 2026)
- الجزيرة نت — تحذيرات من تجاوز النفط 100 دولار في 2026 إذا تأخر فتح هرمز (9 أبريل 2026)
- Transport Topics — Goldman says Brent may top $120 if Hormuz disruptions persist (21 يوليو 2026)
- The National — Oil above $100 per barrel reignites global inflation fears (24 يوليو 2026)
- العربي الجديد — توقعات ببقاء النفط قرب 100 دولار حتى نهاية 2026 (24 يوليو 2026)
الوسوم
الركود التضخمي | أسعار النفط | مضيق هرمز | التضخم العالمي | الفائدة الأميركية

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار