39 مترا تفصل إيران عن "مأمن" نووي: لماذا تقول إسرائيل نفسها إن واشنطن لا تستطيع تدمير "جبل الفأس" بالكامل؟
تقديرات إسرائيلية تتحدث عن استعداد إيراني للتخصيب العسكري بنسبة 90% في عمق الجبل، بينما يقرّ الجيش الإسرائيلي نفسه بأن أقصى ما تستطيعه الضربة الأمريكية المرتقبة هو التعطيل لا التدمير الكامل
صورة قمر صناعي تعود إلى 30 يونيو 2026 تُظهر مداخل أنفاق في "جبل الفأس" قرب منشأة نطنز النووية الإيرانية (رويترز)
هناك تناقض يصعب تجاوزه في الملف الأمريكي-الإيراني هذا الأسبوع: الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (Donald Trump) يكرر التهديد بأن واشنطن "ستدمر" موقع "جبل الفأس" النووي المحصّن جنوب طهران، في الوقت ذاته الذي تسرّب فيه تقديرات استخباراتية إسرائيلية تقول بوضوح إن الولايات المتحدة قادرة على "تعطيل" الموقع لا "تدميره كليا". بين لغة السياسة القاطعة ولغة الاستخبارات الحذرة، تكمن الحقيقة الهندسية الصلبة: عمق يُقدَّر بنحو 100 متر تحت صخر جبلي، في مواجهة قنبلة لا يتجاوز أقصى اختراقها 61 مترا.
ما نُشر اليوم الأربعاء عبر إذاعة الجيش الإسرائيلي لا يقتصر على وصف موقع مشتبه به؛ بل يذهب إلى أن الموقع أصبح مستعدا فعليا لتخصيب اليورانيوم إلى مستوى عسكري نسبته 90%، وأن ظهور هذا اليورانيوم المخصب سيمثل "ضوءا أحمر ساطعا" يستوجب تحركا أمريكيا. السؤال الذي لا تجيب عنه التقديرات الإسرائيلية هو: تحرك من أي نوع، إذا كانت الأداة الأمريكية الأقوى ذاتها محدودة الأثر أمام هذا العمق؟
من موقع لتجميع أجهزة الطرد المركزي إلى "ضوء أحمر" نووي
يحمل الموقع اسمه العربي الشائع "جبل الفأس" ترجمةً لتسميته الفارسية "كوه كولنك گاز لا" (Kuh-e Kolang Gaz La)، ويقع على بعد كيلومترين فقط من مجمع نطنز النووي و220 كيلومترا جنوبي طهران. بدأ حفر الموقع عام 2020، وأعلنته إيران رسميا للوكالة الدولية للطاقة الذرية بوصفه منشأة مستقبلية لتجميع أجهزة الطرد المركزي، بعد تدمير منشأة مماثلة في نطنز. منذ ذلك التاريخ، تصر طهران على أن الموقع مخصص فقط للتجميع والتصنيع، لا للتخصيب.
لكن المسار العملي للموقع يروي قصة مختلفة. فبعد الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على نطنز وفوردو وأصفهان في يونيو 2025 ضمن عملية "مطرقة منتصف الليل"، تسارعت أعمال الحفر والتحصين في "جبل الفأس" بشكل لافت، وفق تحليل صور الأقمار الصناعية الذي أجراه مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS)، الذي رصد أسوار أمنية جديدة وأنفاقا تمتد شرقا وغربا وجنوبا حول الموقع بأكمله.
تحذير إسرائيلي رسمي
نقلت إذاعة الجيش الإسرائيلي عن التقديرات في تل أبيب أن ظهور يورانيوم مخصب داخل منشأة "جبل الفأس" سيشكل "ضوءا أحمر ساطعا يستوجب تحركا أمريكيا" — في وقت تصف فيه التقديرات نفسها القدرة الأمريكية على الموقع بأنها تعطيل لا تدمير كامل.
الفجوة الهندسية: عمق يتجاوز مدى أقوى قنبلة أمريكية
القنبلة الأمريكية GBU-57، المعروفة بـ"مفجّر التحصينات الضخم" (Massive Ordnance Penetrator)، هي السلاح غير النووي الوحيد في العالم المصمَّم خصيصا لاختراق المنشآت المحفورة عميقا تحت الجبال. تزن نحو 13.6 طن، ولا تحملها سوى القاذفة الشبحية B-2، القادرة على حمل قنبلتين في الرحلة الواحدة. استُخدمت 14 قنبلة من هذا النوع في ضربات يونيو 2025 على فوردو ونطنز — 12 على فوردو واثنتان على نطنز — لكن "جبل الفأس" نفسه لم يُستهدف في تلك الضربات ولا في حرب الـ12 يوما التي سبقتها.
الفجوة بين عمق المنشأة وقدرة أقوى قنبلة أمريكية
المصدر: معهد العلوم والأمن الدولي (ISIS)، القوات الجوية الأمريكية
الأرقام هنا لا تحتاج إلى تفسير معقّد: القنبلة مصمَّمة لاختراق نحو 200 قدم (61 مترا) قبل الانفجار، بينما يُقدَّر عمق منشأة "جبل الفأس" بنحو 100 متر تحت الصخر الجرانيتي الصلب. الفارق البالغ نحو 39 مترا هو ما يمنح الموقع تفوقا دفاعيا هندسيا، ويفسر لماذا يتحدث الخبراء العسكريون عن ضربات متكررة ومتتالية "تحفر" تدريجيا في العمق، لا عن ضربة واحدة حاسمة.
"سندمر جبل الفأس. أخبروا الإيرانيين أن يستعدوا." — دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي
روايتان متناقضتان لموقع واحد
بين التصريح السياسي القاطع والتقدير الاستخباراتي الحذر، يبرز تباين واضح في وصف ما يمكن للولايات المتحدة فعله فعليا. طهران من جهتها لم تغيّر روايتها منذ 2020: الموقع لتجميع أجهزة الطرد المركزي المتقدمة لا لتخصيب اليورانيوم.
التصريح السياسي الأمريكي
"سندمّر الموقع"تصريحات ترامب المتكررة منذ 13 يوليو 2026 بشن "ضربة قوية جدا"
التقدير الاستخباراتي الإسرائيلي
"تعطيل فقط"تقديرات تل أبيب تتحدث عن قدرة أمريكية محدودة على منع التشغيل لا التدمير الكامل
وبحسب ما نقلته صحيفة وول ستريت جورنال، يعتقد جهاز الاستخبارات الإسرائيلي أن إيران نقلت آلاف أجهزة الطرد المركزي إلى الأنفاق العميقة داخل "جبل الفأس" في خريف العام الماضي، بعد حرب الـ12 يوما مباشرة، وأن إسرائيل أبلغت واشنطن بهذه المعلومة الاستخباراتية. وسط تباين متزايد بين أهداف إسرائيل وأهداف الولايات المتحدة من الحرب، حاول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (Netanyahu) إقناع ترامب باستئناف الهجمات الشاملة لإلحاق مزيد من الضرر ببرامج طهران النووية.
| الجهة | التفسير المطروح | مدى التحقق منه |
|---|---|---|
| إيران (الرواية الرسمية) | موقع لتجميع وتصنيع أجهزة طرد مركزي متقدمة فقط | غير موثق مباشرة — الوكالة الدولية للطاقة الذرية لم تُمنح دخولا إلى الموقع |
| الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية | استعداد لتخصيب عسكري بنسبة 90% بعد نقل آلاف أجهزة الطرد المركزي إليه | تقديرات استخباراتية غير معلنة بالكامل، نقلتها إذاعة الجيش ووول ستريت جورنال |
| موقع المونيتور الأمريكي | منشأة سرية غير معلنة تعمل كـ"مظلة تأمين" لبرنامج إيران النووي | تحليل استخباراتي ثانوي، لم تؤكده جهة رسمية |
مسار التصعيد من الحفر إلى التهديد المباشر
-
2020
بدء الحفر في "جبل الفأس"
إيران تعلن الموقع للوكالة الدولية للطاقة الذرية كمنشأة مستقبلية لتجميع أجهزة الطرد المركزي.
-
يونيو 2025
عملية "مطرقة منتصف الليل"
ضربات أمريكية-إسرائيلية على فوردو ونطنز وأصفهان بـ14 قنبلة GBU-57؛ "جبل الفأس" ينجو من الاستهداف.
-
خريف 2025
نقل أجهزة الطرد المركزي
استخبارات إسرائيلية تعتقد أن آلاف الأجهزة انتقلت إلى الأنفاق العميقة داخل الجبل بعد حرب الـ12 يوما.
-
28 فبراير 2026
اندلاع حرب جديدة
مواجهة عسكرية مباشرة تشمل قصف نطنز مجددا، دون استهداف "جبل الفأس".
-
13 يوليو 2026
أول تهديد علني مباشر
ترامب يعلن في مقابلة إعلامية: "سنستولي على جبل الفأس. أخبروا الإيرانيين أن يستعدوا."
-
22 يوليو 2026
تقديرات التخصيب العسكري
تسريب إسرائيلي يتحدث عن استعداد الموقع لتخصيب بنسبة 90%، مع تأكيد محدودية القدرة الأمريكية على تدميره كليا.
صورة عامة لمنشأة نطنز النووية الإيرانية، التُقطت عام 2007، والتي دُمّرت محطتها فوق الأرض بينما تعرضت محطتها تحت الأرض لأضرار بالغة على الأقل (غيتي)
ما تكشفه فجوة القدرة عن حسابات واشنطن المقبلة
يشير خبراء عسكريون نقلت تصريحاتهم صحف أمريكية إلى أن أي ضربة على "جبل الفأس" لن تكون "ضربة واحدة تنتهي بها المهمة"، بل سلسلة قنابل متتالية تهدف إلى تعميق الاختراق تدريجيا، وأن التفوق الجوي الذي حققته إسرائيل بتدمير جانب كبير من الدفاعات الجوية الإيرانية يقلّص المخاطر التي تواجهها القاذفات B-2 في حال شاركت. لكن هذا لا يغيّر المعطى الجوهري: عمق الموقع يتجاوز ما صُمِّمت القنبلة الأمريكية لاختراقه في ضربة واحدة، وهو ما يفسر تحدث بعض المحللين عن بدائل جزئية مثل استهداف المداخل وقطع الكهرباء عن الموقع بدلا من محاولة تدمير قلبه العميق.
تهديد سياسي
تصريحات ترامب المتكررة بضربة "قوية جدا"
قيد هندسي
عمق 100م يتجاوز مدى GBU-57 البالغ 61م
تقدير إسرائيلي حذر
"تعطيل" ممكن، "تدمير كامل" غير مؤكد
نتيجة مفتوحة
قرار سياسي معلّق دون ضمانة عسكرية حاسمة
ثلاثة مسارات محتملة للأزمة
| السيناريو | الشرط الجوهري | المآل المتوقع |
|---|---|---|
| الأرجح — ضربة محدودة | استهداف المداخل والأنفاق العليا دون العمق الكامل | تأخير مؤقت لأنشطة الموقع مع بقاء نواته العميقة سليمة |
| الأخطر — تصعيد شامل | موجات متكررة من قنابل GBU-57 لتعميق الاختراق تدريجيا | احتمال انهيار جزئي للأنفاق العليا دون ضمان الوصول إلى العمق الكامل |
| الأقل احتمالا — تفاهم دبلوماسي | تجميد الأنشطة مقابل تخفيف العقوبات أو ضمانات تفتيش | تعليق العمل في الموقع دون تفكيك الأنفاق أو المعدات |
الأزمة حول "جبل الفأس" تكشف عن مفارقة يصعب حلها بالخطابة السياسية وحدها: أقوى قنبلة غير نووية في العالم لم تُصمَّم لهذا العمق تحديدا، وإسرائيل — الحليف الأكثر إصرارا على ضرب الموقع — هي أول من يقرّ بحدود هذه القدرة. فإذا كانت "ضربة قوية جدا" لن تعني بالضرورة تدميرا كاملا، يبقى السؤال معلّقا: هل تكفي سلسلة من الضربات المتتالية لإغلاق الملف، أم أن "جبل الفأس" أصبح، بتصميمه الهندسي نفسه، الدليل العملي على حدود القوة العسكرية أمام برنامج نووي قرر الاحتماء بالعمق لا بالسرية فقط؟
المصادر:
- الجزيرة نت — تقديرات إسرائيلية: إيران تجهز منشأة "جبل الفأس" لتخصيب اليورانيوم بنسبة 90% (22 يوليو 2026)
- CNN — What is Pickaxe Mountain (22 يوليو 2026)
- CNBC — Pickaxe Mountain: what to know (22 يوليو 2026)
- Al Jazeera English — What is Iran's Pickaxe Mountain (14 يوليو 2026)
- Al Jazeera English — تفاصيل قنبلة GBU-57 وقدراتها (19 يونيو 2025)
الوسوم
إيران | جبل الفأس | نطنز | التخصيب النووي | الولايات المتحدة

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار