المعادن في موجة صعود تاريخية.. النحاس يكسر حاجز 12 ألف دولار والبلاتين يحطم الأرقام القياسية
شهدت أسواق المعادن العالمية في أواخر ديسمبر 2025 حالة من الهيجان والإثارة النادرة، حيث حطم النحاس والبلاتين أرقاما قياسية جديدة وسط توقعات بتشديد المعروض العالمي والضغوط الجيوسياسية المتزايدة. هذه الموجة الصاعدة ليست مجرد تقلبات عادية، بل تعكس تحولات هيكلية عميقة في سلاسل الإمداد العالمية وسياسات التجارة الدولية.
النحاس يكتب تاريخا جديدا
حقق النحاس، المعروف بلقب "المعدن الصناعي الأهم"، قفزة تاريخية بتجاوزه حاجز 12 ألف دولار للطن للمرة الأولى في التاريخ. وصلت الأسعار إلى مستوى قياسي بلغ 12,282 دولار للطن في بورصة لندن للمعادن، مسجلة ارتفاعا بنسبة 1.8% خلال تداولات الأربعاء قبل أن تستقر حول مستوى 12,243 دولارا.
هذا الصعود الجنوني لم يأت من فراغ، فالنحاس يتجه لتحقيق مكاسب سنوية تقارب 40%، وهي الأكبر منذ عام 2009، مما يؤكد قوة الدوافع الأساسية وراء هذا الارتفاع الاستثنائي.
البلاتين.. من معدن منسي إلى نجم لامع
لكن النحاس لم يكن الوحيد في هذا الحفل، فالبلاتين سرق الأضواء بشكل أكبر، محققا قفزة تاريخية تجاوزت كل التوقعات. وصل البلاتين إلى مستوى قياسي بلغ 2,413 دولار للأونصة، مسجلا ارتفاعا بنسبة 8% في يوم واحد، وحقق قفزة تجاوزت 150% منذ بداية العام، في أكبر مكسب سنوي له منذ 1987.
هذا الأداء المتفجر للبلاتين حول المعدن الذي كان يعتبر "أقل إثارة" من الذهب والفضة إلى نجم حقيقي في عالم الاستثمار، حيث تفوق على الذهب والفضة في الأداء خلال عام 2025.
العوامل الدافعة للصعود
1. ضغوط المعروض والاضطرابات الجيولوجية
تواجه أسواق المعادن ضغوطا شديدة على جانب المعروض، خاصة مع استمرار الاضطرابات في المناجم الرئيسية. جنوب أفريقيا، كونها أكبر منتج عالمي للبلاتين، تعاني من اضطرابات مستمرة في الإنتاج، بينما تواجه مناجم النحاس في أمريكا الجنوبية تحديات تشغيلية متزايدة.
النحاس يواجه عجزا هيكليا من عام 2025 فصاعدا، مع نقص محتمل قد يصل إلى 19 مليون طن متري بحلول 2050، وفقا لتقديرات بلومبرغ NEF، مما يشير إلى أن الضغوط الحالية على الأسعار قد تكون مجرد بداية لاتجاه طويل المدى.
2. التخزين الاستباقي والمخاوف من الرسوم الجمركية
إحدى أهم الديناميكيات الحالية هي التسابق على التخزين الاستباقي، حيث تتدفق كميات كبيرة من النحاس نحو المستودعات الأمريكية في محاولة لتجنب أي رسوم جمركية محتملة. هذا السلوك الاحترازي من التجار والمصنعين يضع بقية الأسواق العالمية أمام معروض أكثر شحا.
وينطبق الأمر نفسه على البلاتين، حيث تتراكم أكثر من 600 ألف أونصة في مستودعات الولايات المتحدة، وهو مستوى أعلى بكثير من المعتاد، في انتظار نتائج التحقيق الأمريكي بموجب المادة 232 والذي قد يؤدي إلى فرض قيود تجارية.
3. التطورات السياسية الأوروبية
أضاف قرار الاتحاد الأوروبي المفاجئ بالتراجع عن حظر محركات الاحتراق الداخلي المقرر في 2035 دفعة إضافية لأسعار البلاتين، حيث يستخدم هذا المعدن بكثافة في صناعة أجهزة تنقية العادم للمحركات التقليدية.
هذا التطور السياسي غير المتوقع أعطى آفاقا أطول لاستخدام البلاتين في صناعة السيارات، مما عزز التفاؤل بشأن الطلب المستقبلي على المعدن.
4. الطلب الآسيوي المتزايد
شهدت الأسواق الآسيوية، وخاصة الصين، إقبالا متزايدا على هذه المعادن. بدء تداول عقود البلاتين في بورصة قوانغتشو للعقود الآجلة عزز من ديناميكيات السوق، حيث ارتفعت الأسعار هناك إلى مستويات تفوق المؤشرات العالمية الأخرى، مما خلق فرص المراجحة وزاد من التعقيد في تحديد الأسعار العادلة.
تأثيرات أوسع على المعادن الأخرى
لم تقتصر موجة الصعود على النحاس والبلاتين فقط، بل امتدت لتشمل معظم المعادن الأساسية. الألومنيوم ارتفع بنحو 16% خلال 2025، مدعوما بتباطؤ نمو الإنتاج في الصين وارتفاع تكاليف الطاقة عالميا. الزنك حقق مكاسب 5% بعد توقفات في مناجم رئيسية، بينما قفز القصدير بنسبة مذهلة بلغت 49% عقب تشديد إندونيسيا إجراءاتها ضد التعدين غير القانوني.
هذا الأداء الجماعي القوي للمعادن يشير إلى وجود ضغوط هيكلية عميقة على جانب المعروض تتجاوز التقلبات الدورية المعتادة.
البلاديوم يلحق بالركب
وسط هذا الزخم، لم يتأخر البلاديوم في الانضمام للحفل، حيث حقق مكاسب بلغت 2.5% ليصل إلى مستويات مرتفعة جديدة. هذا المعدن، الذي يستخدم بشكل أساسي في صناعة السيارات، استفاد من نفس العوامل التي دفعت البلاتين للصعود، خاصة مع القلق بشأن إمدادات روسيا التي تنتج حوالي 40% من المعروض العالمي.
التحديات التمويلية وتكاليف الاقتراض
أضافت ارتفاع تكاليف الاقتراض بعدا جديدا للمعادلة، حيث تفضل الشركات الصناعية استئجار المعادن بدلا من شرائها مباشرة، باعتبار ذلك خيارا أقل كثافة من حيث رأس المال. هذا التغيير في أنماط الاستهلاك عزز من ديناميكيات السوق الفورية وزاد من الضغط على الأسعار.
نظرة على المستقبل والتحديات القادمة
يتوقع المحللون أن تستمر هذه الضغوط خلال الأشهر القادمة، خاصة مع دخول موسم الذروة في الربع الأول من العام الجديد. لكن هذا لا يعني خلو الطريق من التحديات، فهناك مخاطر عدة قد تؤثر على هذا الزخم:
- التباطؤ الاقتصادي العالمي: أي تراجع في النمو الاقتصادي قد يؤثر سلبا على الطلب الصناعي
- زيادة الإنتاج: تحسن الإمدادات من مناجم جديدة أو حل مشاكل المناجم المتوقفة
- التطورات الجيوسياسية: أي تهدئة في التوترات التجارية قد تقلل من دوافع التخزين الاستباقي
الخلاصة
ما نشهده في أسواق المعادن ليس مجرد موجة صعود عابرة، بل انعكاس لتحولات هيكلية عميقة في الاقتصاد العالمي. الانتقال نحو الطاقة المتجددة، والتوترات الجيوسياسية، واضطرابات سلاسل الإمداد، كلها عوامل تتضافر لخلق بيئة استثنائية في أسواق المعادن.
بينما قد تشهد الأسعار بعض التصحيح في المدى القريب، فإن الاتجاه الأساسي يبدو صعوديا في ظل استمرار هذه الضغوط الهيكلية. المستثمرون والمتعاملون في هذه الأسواق عليهم الاستعداد لفترة من التقلبات العالية والفرص الاستثنائية، مع ضرورة إدارة المخاطر بعناية فائقة.
المصادر
-
Bloomberg - Copper Hits $12,000 for First Time as Tariff Trade Upends Market
-
Reuters - Platinum hits record high on tight supply, EU combustion-engine ban reversal
-
BloombergNEF - Supply Chains Struggle as Energy Transition Drives Surging Demand for Metals
الوسوم
أسعار المعادن العالمية | سعر النحاس اليوم | سعر البلاتين | أسواق السلع | المعادن الصناعية

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار