"سيناريو الصفر" وخطة السبعينيات.. هل تنجح مصر في إنهاء "كابوس الديون" في 2026؟
تبدو فكرة "ميزانية بلا ديون" حلماً جميلاً يراود المخيال العام في مصر، ويتجدد الحديث عنه كلما تصاعدت أزمة إقليمية أو تحركت أسعار الصرف. لكن خبرة الاقتصادات الحديثة تؤكد حقيقة راسخة: الدين ليس "عيباً" في ذاته، بل هو أداة تمويلية لا غنى عنها للمشروعات العامة ولإدارة الفجوات الموسمية. العبرة دائماً تكمن في الإدارة، وكلفة التمويل، وآجال السداد.
تقف مصر في نهاية عام 2025 على مفترق طرق مالي حاسم؛ فبينما تسجل الموازنة أرقاماً قياسية في الفائض الأولي، تطلق الحكومة وعوداً طموحة بخفض الدين لأدنى مستوى منذ نصف قرن.
هنا يبرز السؤال الجوهري: هل التخلص الكامل من الديون هو الحل الأمثل؟ أم أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل الدين من "عبء يخنق الاقتصاد" إلى "أداة للتنمية"؟
لغة الأرقام: أين تقف مصر الآن؟
تكشف البيانات الرسمية عن مشهد مالي دقيق بنهاية 2025، يمكن تلخيصه في النقاط التالية:
- حجم الدين الخارجي: بلغ 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو 2025، وفقاً لبيانات البنك المركزي المصري.
- أسباب الزيادة: يمثل الرقم زيادة بنحو 8.3 مليار دولار (5.5%) مقارنة بيونيو 2024. جاءت هذه الزيادة نتيجة صرف شرائح قروض بقيمة 5.4 مليار دولار، بالإضافة إلى "تأثيرات إعادة التقييم" بقيمة 2.9 مليار دولار، الناتجة عن تراجع العملة الأمريكية أمام العملات الأخرى التي تُقوَّم بها محفظة الديون.
- نسبة الدين للناتج: تقدر نسبة الدين الحكومي العام بنحو 84.5% إلى 85% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2025، وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي. ورغم ضخامة الرقم، إلا أنه يعكس مساراً نزولياً مقارنة بذروة بلغت 96% قبل عامين.
النقطة المضيئة في هذا المشهد تتمثل في تحقيق "فائض أولي" تاريخي بلغ 629 مليار جنيه (حوالي 12.6 مليار دولار) في العام المالي 2024/2025، بزيادة 80% عن العام السابق. هذا يعني أن إيرادات الدولة تغطي مصروفاتها وتفيض، إذا ما استثنينا بند فوائد الديون.
لكن تظل المعضلة قائمة؛ حيث تلتهم خدمة الدين (الفوائد والأقساط) قرابة "ثلثي الإنفاق العام" في موازنة 2025/2026، ما يضغط بشدة على مخصصات الصحة والتعليم والاستثمار العام.
هيكل الإنفاق في الموازنة (أين تذهب الأموال؟)
المصدر: تقديرات وتحليلات موازنة 2025/2026
خطة الحكومة: العودة لمستويات السبعينيات
في ديسمبر 2025، كشف رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي عن استراتيجية تهدف لخفض الدين العام إلى مستويات لم تشهدها البلاد منذ 50 عاماً، أي العودة إلى معدلات أوائل السبعينيات.
وبرر مدبولي فلسفة الاستدانة في السنوات الماضية بضرورة بناء "بنية أساسية قاعدية" من طرق ومحطات طاقة وموانئ، لجذب الاستثمار. والآن، ومع اكتمال جزء كبير من هذه البنية، تراهن الحكومة على سيناريو الهبوط السريع بالدين عبر:
- الفوائض الأولية القوية.
- برنامج الطروحات الحكومية.
- انخفاض تكلفة الفائدة عالمياً ومحلياً.
مسار الدين العام في مصر (كنسبة من الناتج المحلي)
المصدر: بيانات صندوق النقد الدولي وتصريحات حكومية (ديسمبر 2025)
سيناريو "السداد أولاً".. هل نقع في فخ التقشف؟
يشير تحليل الواقع الاقتصادي إلى أن السعي المحموم نحو "ميزانية بلا ديون" قد يحمل آثاراً جانبية خطيرة. فالتركيز المفرط على السداد السريع يعني "تشدداً مالياً حاداً"؛ أي تقليص النفقات والاستثمارات الحكومية، ما قد يؤدي لركود مؤقت وكبح معدلات النمو، إلا إذا سد القطاع الخاص هذه الفجوة فوراً.
ويرى معهد "MEI" أن المعادلة الصحيحة ليست في "تصفير الدين"، بل في خفض كلفته لتحرير موارد الدولة وتوجيهها لقطاعات ذات عائد اجتماعي مثل التعليم والصحة، وهو ما يرفع إنتاجية الاقتصاد وثقة المستثمرين.
وتدعم التوقعات الدولية هذا التوجه، حيث يرجح بنك "بي إن بي باريبا" نمواً بنحو 4% في 2025، بينما يتوقع صندوق النقد تسارع النمو إلى 5.3% في الربع الأول من العام المالي 2025/2026، مدفوعاً بقطاعات السياحة والصناعة.
الجنيه المصري وصفقات "إدارة الأصول"
يلعب استقرار سعر الصرف دوراً محورياً في معادلة الديون. فكل تحسن في قيمة الجنيه يقلل تلقائياً من قيمة الدين الخارجي عند تقويمه بالعملة المحلية.
وقد سجل الجنيه تحسناً بنحو 6-6.5% مقارنة بذروة تقلبات 2024، مدعوماً بصفقات استثمارية كبرى. أبرزها ما تم الإعلان عنه في 30 ديسمبر 2025، باستلام مصر دفعة نقدية بقيمة 3.5 مليار دولار من استثمارات قطرية لتطوير منطقة "علم الروم" بمرسى مطروح.
هذه الصفقة، وغيرها من الطروحات لشركات مثل "وطنية" و"صافي"، تساهم في:
- سد الفجوة التمويلية.
- دعم الاحتياطي النقدي (الذي وصل لـ 56.9 مليار دولار).
- تقليص الحاجة للاستدانة الجديدة.
وتشير حسابات "العربية Business" إلى أن كل خفض بمقدار 100 نقطة أساس (1%) في أسعار الفائدة المحلية، يوفر للموازنة أكثر من 51 مليار جنيه، ما يفتح هامشاً للتنفس المالي.
المواطنون: متى يشعرون بالثمار؟
يبقى السؤال الأهم: متى ينعكس تحسن أرقام الديون على جيب المواطن؟
نظرياً، تراجع أعباء الديون يعني توفر سيولة أكبر لتحسين الخدمات العامة وشبكات الحماية الاجتماعية (مثل "تكافل وكرامة").
عملياً، ومع تراجع التضخم واستقرار العملة، تبدأ القوة الشرائية في التعافي. وقد يحمل عام 2026 "مفاجآت سارة" محتملة، مثل الاستقرار التام في أسعار الطاقة أو حتى تراجعها التدريجي تماشياً مع الأسعار العالمية، مما يخفف الضغوط المعيشية عن الأسر والمشروعات الصغيرة.
الخلاصة: الإدارة الرشيدة أهم من "الصفر"
في المحصلة، لا تسعى الاقتصادات الناجحة إلى "الصفر ديون" كغاية في حد ذاتها، فالدين المنضبط هو وقود للنمو.
المكسب الحقيقي لمصر في 2026 وما بعدها ليس في التخلص النهائي من الديون، بل في إدارتها بذكاء؛ بحيث تنخفض تكلفتها وتطول آجالها، فتتحول من "وحش" يلتهم الموازنة إلى "شريك" في تمويل التنمية، دون أن يدفع المواطن فاتورة التقشف القاسي.
المصادر:
- البنك المركزي المصري: تقرير الموقف الخارجي للاقتصاد المصري (يونيو 2025). رابط المصدر
- صندوق النقد الدولي: بيان خبراء الصندوق حول المراجعات الدورية لبرنامج مصر (ديسمبر 2025). رابط المصدر
- العربية Business: بيانات وتحليلات حول تصريحات رئيس الوزراء وصفقات الاستثمار (ديسمبر 2025). رابط المصدر
الوسوم
ديون مصر الخارجية 2025 | صفقة علم الروم | سعر الدولار مقابل الجنيه | توقعات الاقتصاد المصري 2026 | صندوق النقد الدولي مصر
.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار