طوفان الديون العالمية: هل يقود الاقتصاد العالمي نحو 'لحظة الانفجار'؟

--

طوفان الديون العالمية: هل يقود الاقتصاد العالمي نحو 'لحظة الانفجار'؟

الحالة الراهنة: ديون بمستويات قياسية

يقترب الدين العام العالمي من عتبة تاريخية مخيفة، حيث أظهرت بيانات صندوق النقد الدولي أن إجمالي الدين العام العالمي بلغ 99.2 تريليون دولار في 2025، فيما يتجاوز إجمالي الدين العام والخاص معاً 251 تريليون دولار بنسبة 235% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي . وتشير تقديرات أخرى إلى أن الدين العام وحده تجاوز 111 تريليون دولار في 2025، بزيادة 8.3 تريليونات عن العام السابق .

تكشف هذه الأرقام عن حقيقة مفزعة: الولايات المتحدة وحدها تستحوذ على 34.5% من إجمالي ديون العالم، بمبلغ يزيد عن 38 تريليون دولار ونسبة 125% من ناتجها المحلي . وعلى الصعيد الأوروبي، تتجه دول المنطقة نحو مضاعفة ديونها خلال 15 عاماً ما لم تتخذ إجراءات عاجلة، بحسب ما نشرته "فايننشال تايمز" في تقريرها الأخير.

أمريكا: ديون تقترب من نقطة اللاعودة

تعاني الولايات المتحدة من تدهور غير مسبوق في مؤشراتها المالية. فقد ارتفعت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي من 97.4% في 2024 إلى 99.8% في 2025، وهو مستوى يزيد عن الضعف مقارنة بالمتوسط التاريخي البالغ 51% خلال الخمسين عاماً الماضية . ويتوقع الكونجرس بمكتب الميزانية نمو الدين بنسبة 20 نقطة مئوية إضافية خلال العقد المقبل.

ما يزيد الأمر خطورة هو أن تكاليف خدمة الدين تتضاعف بسرعة مذهلة. فقد تضاعفت مدفوعات الفوائد الصافية على الدين الوطني ثلاث مرات خلال السنوات الخمس الماضية، مع توقعات بأن تصل إلى 1.8 تريليون دولار سنوياً بحلول 2035 . وهذا يعني أن الولايات المتحدة تدفع يومياً ما يعادل تكلفة مشروعات بنية تحتية ضخمة فقط كفوائد على ديونها.

أوروبا: قنبلة موقوتة تحت الرماد

في أوروبا، الوضع لا يقل قلقاً. فمع توقعات وصول الدين الأمريكي إلى 156% من الناتج المحلي بحلول 2055، يواجه الاتحاد الأوروبي تحدياً مماثلاً. فديون الدول الأوروبية تتجه نحو المضاعفة في غضون 15 عاماً إذا استمرت سياسات الإنفاق الحالية دون ضبط جذري .

تتصدر المملكة المتحدة وفرنسا قائمة المدينين الأوروبيين، بأعباء دين تزيد عن 4 تريليونات دولار لكل منهما. وتبلغ نسبة ديون فرنسا 116.5% من ناتجها المحلي، فيما تصل بريطانيا إلى 103.4% . وقد أدى الإنفاق الاجتماعي المتزايد والتوترات الجيوسياسية إلى تآكل الفرص المتاحة للتحكم بالعجز المالي.

الأسباب الجذرية: لماذا تتفاقم الديون بهذا الشكل؟

  1. الإنفاق الاستثنائي خلال الجائحة

خلال جائحة كوفيد-19، اقترضت الحكومات بشكل غير مسبوق لدعم اقتصاداتها، مما دفع الدين العالمي فوق 90% من الناتج المحلي. ورغم تحسن النمو الاقتصادي، إلا أن الدين استمر في الصعود، مع توقعات بأن يتجاوز 100% من إجمالي الناتج العالمي بحلول 2029 .

  1. تكاليف الفوائد المرتفعة

تشكل ارتفاع معدلات الفائدة أزمة مزدوجة. فمن جهة، تزيد تكلفة خدمة الدين القديم عند إعادة تمويله، ومن جهة أخرى، تضغط على النمو الاقتصادي مما يقلل من القدرة على توليد إيرادات تساعد على تسديد الديون.

  1. التغيرات الديموجرافية

شيخوخة السكان في الدول المتقدمة تعني زيادة الإنفاق على المعاشات التقاعدية والرعاية الصحية، بينما تتقلص قاعدة المجتمع النشط اقتصادياً، مما يضاعف الضغط على الموازنات العامة.

  1. التوترات الجيوسياسية

زيادة ميزانيات الدفاع والأمن في ظل التوترات الدولية المتصاعدة تأكل الموارد المتاحة للاستثمار في التنمية والبنية التحتية.

المخاطر والتهديدات المحدقة

يحذر الخبراء من أن العالم يقف على "قنبلة دين موقوتة"، حيث يزيد كل صدمة اقتصادية أو جيوسياسية أو مناخية من فرص انفجار الأزمة . وبحسب تقديرات صندوق النقد الدولي، فإن ثلث الدول التي تمثل 80% من الناتج العالمي لديها مستويات دين عام تتجاوز ما كان عليه قبل الجائحة، وتتزايد بمعدل أسرع .

في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، سددت الدول 741 مليار دولار أكثر أصلاً وفوائد على ديونها الخارجية بين 2022 و2024 مما تلقته من تمويلات جديدة، وهو أكبر مبلغ خلال 50 عاماً على الأقل . هذا يعني أن هذه الدول تغرق بالفعل في دوامة ديون لا يمكن الخروج منها دون تدخل جذري.

الدروس التاريخية: هل التضخم هو الحل؟

بعد الحرب العالمية الثانية، نجحت بريطانيا في خفض ديونها من 250% إلى 42% من الناتج المحلي خلال ثلاثة عقود، بفضل التضخم المرتفع الذي "ميع" قيمة الدين. لكن الخبراء يؤكدون أن الظروف الحالية مختلفة تماماً، حيث تحارب البنوك المركزية التضخم بقوة، مما يقلل من إمكانية استخدام هذه الأداة مرة أخرى.

الحلول المطروحة والمخارج الآمنة

تعديلات مالية تدريجية

يدعو صندوق النقد الدولي إلى "إجراءات تعديل مالية تدريجية ضمن خطة متوسطة الأجل موثوقة" لخفض الدين العام، مع تجنب إقصاء الاقتراض الخاص .

إعادة هيكلة وشفافية

شهدت دول مثل غانا وهاييتي وسريلانكا اتفاقيات إعادة هيكلة خفضت ديونها بنسب تتراوح بين 4% إلى 70%، مع تحسين آليات التفاوض بين الدائنين والمدينين .

الاستثمار في النمو

تشير توقعات "دويتشه بنك" إلى نمو الإنتاجية بنسبة 0.7% فقط، وهو معدل لا يكفي لمواجهة تزايد الدين. لذا، ينبغي توجيه الاقتراض نحو مشروعات تحقق نمواً حقيقياً في الإنتاجية بدلاً من الإنفاق الاستهلاكي.

تطوير أسواق الدين المحلية

تعمل مؤسسات مثل الكومنولث على تعزيز أسواق الدين المحلية لتقليل الاعتماد على الديون الخارجية وتخفيف مخاطر العملات .

الخاتمة: هل نحن على أعتاب الانفجار؟

الإجابة ليست سهلة. فمن جهة، تواجه الحكومات ضغوطاً مالية غير مسبوقة، ومن جهة أخرى، لا تزال هناك فرصة لتجنب الكارثة. لكن الوقت ينفد. إذا لم تتخذ الدول الكبرى إجراءات حاسمة خلال السنوات القليلة المقبلة، فقد نجد أنفسنا أمام أزمة ديون تفوق في خطورتها كل ما شهدناه من قبل.

العالم يتحرك على حبل رفيع بين الحاجة إلى الإنفاق لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، والخطر المحدق بالاستقرار المالي الدولي. والسؤال ليس "هل سينفجر؟" بل "متى وماذا بعد الانفجار؟".


المصادر المباشرة ذات الصلة:

  1. World Bank Blogs: International Debt Report 2025 - https://blogs.worldbank.org/en/opendata/international-debt-report-2025--when-relief-isn-t-enough---lmics
  2. IMF: Global Debt Remains Above 235% of World GDP - https://www.imf.org/en/blogs/articles/2025/09/17/global-debt-remains-above-235-of-world-gdp
  3. Visual Capitalist: The World's 111 Trillion in Government Debt - https://www.visualcapitalist.com/111-trillion-of-global-debt-in-2025/ 

الوسوم

الديون السيادية العالمية | الدين العام العالمي | أزمة الديون العالمية | الدين الأمريكي | الاستقرار المالي الدولي

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

لبنان على حافة الانفجار: نهاية مهلة نزع سلاح "حزب الله" ومخاوف عام 2025

البحر الكاريبي يغلي: ترامب يفرض "حجراً صحياً" بحرياً على فنزويلا

طهران تتحدى تهديدات مارالاجو: قدراتنا خارج حدود الاحتواء وردنا سيفوق التصور