معادلة معقدة: لماذا لا تنعكس أزمة النفط العالمية على أسعار الوقود المصرية؟
تشهد أسواق الطاقة العالمية هبوطا حادا في أسعار النفط الخام، حيث سجلت أدنى مستوياتها منذ عام 2021، لكن هذا التراجع لم ينعكس على أسعار الوقود في مصر. في الوقت الذي يترقب فيه المواطن المصري انخفاضا في فاتورة الطاقة، تكشف الحقائق الاقتصادية عن معادلة أكثر تعقيدا من المتوقع.
"رسم بياني يوضح تراجع أسعار النفط العالمية خلال عام 2025"
انهيار تاريخي في أسعار النفط العالمية
شهد عام 2025 تراجعا مدويا في أسعار النفط العالمية، حيث هبط سعر خام غرب تكساس الوسيط إلى ما دون 55 دولارا للبرميل لأول مرة منذ فبراير 2021. وسجل خام برنت، المؤشر العالمي للنفط، انخفاضا إلى ما دون 60 دولار للبرميل قبل أن يستقر حاليا عند مستوى 62 دولارا تقريبا.
يأتي هذا الانهيار نتيجة لعوامل متداخلة أبرزها فائض الإمدادات العالمية من تحالف "أوبك+" ودول الأمريكتين، بالإضافة إلى ضعف النمو في الطلب العالمي. كما ساهمت الآمال المتجددة للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية في تقليص العلاوة الجيوسياسية المضافة لأسعار النفط.
وفقا لموقع Trading Economics، فإن أسعار النفط تراجعت بنحو 20% منذ بداية 2025، وهو ما يقل كثيرا عن المستهدفات الحكومية المصرية التي حددت 75 دولارا لسعر البرميل في موازنة العام المالي 2025-2026.
الوقود المصري.. لا يزال مدعوما رغم التراجع العالمي
يؤكد مسؤول حكومي مصري، طلب عدم نشر اسمه، أن الأسعار الحالية للمواد البترولية في الأسواق المصرية لا تزال تمثل سعر التكلفة الفعلي لتوفير المنتجات، رغم هبوط النفط العالمي. ويشير إلى أن لجنة تسعير الوقود تحسب حصة مصر من النفط الخام المنتج محليا بالتعاون مع الشركاء الأجانب بصفر، مما يعني أن هناك دعما خفيا للوقود.
تعتمد لجنة تسعير الوقود المصرية، التي تأسست في يوليو 2019، على ثلاثة معايير رئيسية لاتخاذ قراراتها: متوسط أسعار النفط العالمية، وسعر صرف الدولار مقابل الجنيه، بالإضافة إلى معدل وتكلفة الإنتاج والتشغيل.
التكلفة الحقيقية للوقود أعلى من الأسعار الحالية
عند احتساب التكلفة الفعلية للوقود وفق سعر برنت الحالي وسعر صرف الدولار، مضافا إليه تكاليف التشغيل والضرائب وهوامش الربح، يتبين أن السعر الحقيقي للوقود يتجاوز مستواه الحالي في السوق بفارق كبير تتحمله الدولة كدعم.
يصل سعر بنزين 95 الفعلي إلى نحو 27 جنيها للتر مقابل 21 جنيها حاليا، بفارق 6 جنيهات يمثل الدعم الحكومي. كما يسجل بنزين 92 نحو 26.2 جنيه مقابل 19.25 جنيه، فيما تتراوح تكلفة السولار الحقيقية بين 23 و24 جنيها للتر مقابل سعر بيع 17.5 جنيه.
"رسم بياني دائري يوضح توزيع دعم الوقود في مصر"
البوتاجاز يحصد النصيب الأكبر من الدعم
يحصل غاز الطهي (البوتاجاز) على الشريحة الأكبر من فاتورة دعم الوقود في مصر، حيث يصل دعم الأسطوانة الواحدة إلى 150-170 جنيها يوميا، وفقا لمدحت يوسف، نائب رئيس هيئة البترول الأسبق. هذا يعني أن الدولة تنفق حوالي 200 مليون جنيه شهريا على دعم البوتاجاز وحده.
كما تحصل محطات الكهرباء على وقود مدعوم بنحو 40 مليار جنيه شهريا، حيث لا تزال المحطات تحصل على الغاز بنسبة دعم تصل لنحو 120% عن السعر الحقيقي للغاز، مما يفاقم من حجم الدعم بشكل يصعب معه خفض الأسعار.
استيراد المشتقات النفطية يعقد المعادلة
تواجه مصر تحديا كبيرا في قطاع الطاقة، حيث تعتمد على الاستيراد لتغطية فجوة تصل إلى 225 ألف برميل نفط يوميا. تستهلك البلاد 750 ألف برميل يوميا، فيما يتراوح الإنتاج المحلي بين 510 آلاف و540 ألف برميل، مما يجعل الموازنة حساسة بشدة لأي تقلبات في أسعار النفط العالمية.
يوضح أسامة كمال، وزير البترول الأسبق ورئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ، أن مشكلة دعم الوقود ترتبط بشكل رئيسي بالفجوة بين الإنتاج المحلي والاستيراد، خاصة في ظل تراجع قيمة الجنيه وارتفاع تكلفة استيراد الطاقة.
كما تستورد مصر الغاز الطبيعي لسد الفجوة بين الطلب والمعروض، حيث يصل استهلاكها اليومي إلى 6.4 مليار قدم مكعب يوميا، وترتفع في ذروة الصيف لأكثر من 7 مليارات قدم مكعب. فيما تبلغ قدرة البلاد الإنتاجية 4.2 مليار قدم مكعب يوميا فقط.
تقليص الدعم بنسبة 50% في موازنة 2025
قلصت الحكومة المصرية دعم الوقود بنسبة 50% في الموازنة العامة للعام المالي 2025-2026، إذ خصصت 75 مليار جنيه لدعم الوقود مقارنة بـ154 مليار جنيه في الموازنة السابقة الطاقة.
رغم هذا التقليص الكبير، قررت مصر في أكتوبر 2025 رفع أسعار الوقود للمرة الثانية خلال العام بنسبة 13%، مع تثبيت الأسعار لمدة عام كامل على الأقل. شملت الزيادة جميع أنواع البنزين والسولار، حيث ارتفع بنزين 95 من 19 إلى 21 جنيها للتر، وبنزين 92 من 17.25 إلى 19.25 جنيه BBC News عربي.
تعهد حكومي بعدم رفع الأسعار لعام كامل
تعهد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي في أكتوبر 2025 بعدم رفع أسعار الوقود لمدة عام كامل، مؤكدا أنه "إذا استمرت أسعار النفط عالميا عند المستويات الحالية لن نحتاج لزيادة أسعار الوقود حتى بعد مرور عام".
يشير جمال القليوبي، أستاذ هندسة البترول والطاقة بالجامعة الأمريكية، إلى أن استمرار هبوط أسعار النفط العالمية سيساعد الحكومة على توفير نسبة من المخصصات الشهرية اللازمة للاستيراد، مما يعزز الفائض المحقق في الموازنة العامة ويساعدها على الوفاء بتعهداتها.
التحدي المستقبلي للقطاع
يحذر خبراء الطاقة من أن هبوط أسعار النفط عن مستوى 55-60 دولار للبرميل يمثل تحديا لشركات الإنتاج العالمية، التي قد تتحفظ عن ضخ استثمارات إضافية في مجال البحث والاستكشاف لعدم تحقق عوائد مجزية من الإنتاج.
من جهة أخرى، يؤكد الخبراء أن دعم الوقود يمثل عبئا كبيرا على الاقتصاد المصري، وأن انخفاض أسعار النفط العالمية وحده لن يؤثر كثيرا على قدرة الحكومة في تثبيت أو تخفيض أسعار الوقود، طالما استمرت وتيرة استيراد شحنات الغاز المسال بتكلفتها المتزايدة.
خلاصة: معادلة معقدة تتجاوز أسعار النفط
تكشف أزمة الوقود المصرية أن العلاقة بين أسعار النفط العالمية وأسعار الوقود المحلية ليست مباشرة كما يعتقد الكثيرون. المعادلة تتضمن عوامل متعددة من بينها: سعر صرف الجنيه، تكلفة الاستيراد، حجم الإنتاج المحلي، والأهم من ذلك كله حجم الدعم الحكومي الخفي الذي لا يزال يغطي جزءا كبيرا من التكلفة الحقيقية للوقود.
وبينما يستفيد المواطن المصري من أسعار وقود أقل من التكلفة الحقيقية، تواجه الحكومة تحدي موازنة الدعم مع متطلبات الإصلاح الاقتصادي والالتزامات مع صندوق النقد الدولي. الحل يكمن في تطوير مصادر الطاقة المتجددة وزيادة الإنتاج المحلي من النفط والغاز لتقليل الاعتماد على الاستيراد.
المصادر:
- الطاقة - خسائر أسعار النفط في 2025
- BBC News عربي - مصر ترفع أسعار الوقود 13%
- اقتصاد الشرق - ماذا تنتظر مصر لخفض أسعار الوقود
الوسوم
أسعار الوقود في مصر | دعم الوقود | أسعار النفط العالمية | لجنة تسعير الوقود | موازنة مصر 2025
.jpg)


تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار