الضبعة تدخل القلب النووي: مصر تقترب من تشغيل أول محطة نووية سلمية في تاريخها

--

الضبعة تدخل القلب النووي: مصر تقترب من تشغيل أول محطة نووية سلمية في تاريخها

تقف مصر اليوم على أعتاب إنجاز تاريخي يُنهي خمسة عقود من الانتظار، إذ دخل مشروع محطة الضبعة النووية مرحلة مفصلية بتركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة الأولى وتوقيع أمر شراء الوقود النووي في نوفمبر 2025. يمثل هذا التطور تتويجاً لمسيرة بدأت منذ خمسينات القرن الماضي، تجاوزت خلالها الدولة عقبات التمويل والسياسة، لتصبح اليوم قاب قوسين أو أدنى من الانضمام الفعلي لنادي الدول المنتجة للطاقة النووية السلمية.

يقع المشروع الاستراتيجي في مدينة الضبعة بمحافظة مطروح على ساحل البحر الأبيض المتوسط، على بعد 289 كيلومتراً شمال غرب القاهرة، وتنفذه شركة "روساتوم" الروسية بتمويل حكومي ميسّر يغطي 85% من التكلفة الإجمالية البالغة 28.75 مليار دولار.

تاريخ مرصع بالتحديات والإصرار

بدأت رحلة مصر مع الطاقة النووية عام 1955 بتأسيس هيئة الطاقة الذرية، تلاها تشغيل أول مفاعل بحثي في أنشاص عام 1961. ورغم الطموح المبكر، واجه الحلم محطات توقف إجبارية:

  • 1964: اختيار موقع "سيدي كرير"، لكن الظروف الاقتصادية والحروب أوقفت التنفيذ
  • 1986: تجميد المشروع تماماً عقب مخاوف كارثة "تشيرنوبل"
  • 2007: تشكيل هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء (NPPA) لإدارة المشروع
  • 2015: نقطة التحول الكبرى بتوقيع الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الروسي فلاديمير بوتين الاتفاق المبدئي، الذي تحول إلى عقود تنفيذية في 2017، لتتخذ مصر من يوم التوقيع (19 نوفمبر) عيداً وطنياً للطاقة النووية.

تكنولوجيا الجيل الثالث: أمان وكفاءة

يعتمد المشروع على أربعة مفاعلات من طراز VVER-1200 المتطور (الجيل الثالث+)، بقدرة إجمالية 4800 ميغاواط، تغطي نحو 10% من احتياجات مصر الكهربائية، ترتفع إلى 16% عند اكتمال التشغيل. وشهد الموقع مؤخراً إنجازات فنية ملموسة:

  • تركيب وعاء الضغط (نوفمبر 2025: بمثابة "القلب النابض" للمفاعل، ويمثل تركيبه ذروة الأعمال الإنشائية للوحدة الأولى برعاية روسية مصرية مشتركة
  • مصيدة قلب المفاعل: نظام أمان متطور تم تركيبه للوحدات الأربع لاحتواء المواد المنصهرة في أقصى حالات الطوارئ

تدير هيئة المحطات النووية المصرية (NPPA) المشروع، بينما تتولى "روساتوم" عمليات الهندسة والتوريد والإنشاء (EPC)، وتدريب 2000 كادر مصري لضمان نقل الخبرة التشغيلية والصيانة.

عوائد تتجاوز إنتاج الكهرباء

بتكلفة استثمارية تبلغ 28.75 مليار دولار، منها قرض روسي بفائدة 3% يبدأ السداد 2029، يحقق المشروع مكاسب اقتصادية تتخطى توليد الطاقة:

الوفر المالي

  • خفض فاتورة استيراد الوقود الأحفوري التي تجاوزت 12 مليار دولار في 2023، مما يتيح تصدير الغاز الطبيعي لتعظيم العائد الدولاري
  • قيمة مضافة للناتج المحلي تبلغ 4 مليارات دولار سنوياً خلال مرحلة الإنشاء

توطين الصناعة

  • تشترط العقود نسبة مشاركة محلية تبدأ من 20% للوحدة الأولى وتتصاعد إلى 35% للوحدة الرابعة
  • تطوير سلسلة توريد محلية في قطاعات الحديد والإسمنت والمعدات

فرص العمل

يوفر المشروع 6000 فرصة عمل خلال الإنشاء، وآلاف الفرص الدائمة للتشغيل والصيانة لعقود قادمة تمتد 60 عاماً.

يقول الدكتور جمال القليوبي، أستاذ هندسة الطاقة، أن المحطة تدعم استراتيجية تنويع سلة الطاقة، لتقليل الاعتماد التاريخي على الوقود الأحفوري الذي سيطر على 98% من إنتاج الكهرباء طوال نصف قرن، وتتكامل مع مصادر الطاقة المتجددة التي تستهدف مصر الوصول بها إلى 42% من المزيج الطاقي 2030.

الأبعاد الاستراتيجية والسياسية

يرى الدكتور أحمد قنديل، رئيس وحدة العلاقات الدولية بمركز الأهرام للدراسات، أن الضبعة "ليست مجرد محطة كهرباء"، بل تحقق أهدافاً متعددة:

أمن الطاقة

  • بناء نظام طاقي مستقل عن تقلبات أسواق البترول والغاز
  • مصدر كهرباء ثابت على مدار الساعة لـ60 عاماً يضمن استقرار الشبكة الوطنية

الدور الإقليمي

  • تعزز مصر كمركز طاقة يربط بين قارات إفريقيا وآسيا وأوروبا عبر مشروعات الربط الكهربائي
  • البرنامج النووي يمنحها وزناً إضافياً في معادلات الغاز الطبيعي والطاقة المتجددة في شرق المتوسط

العلاقات الدولية

يقول الرئيس السيسي إن المشروع "برهان عملي على أن شراكتنا مع روسيا لا تقتصر على التصريحات السياسية" بوتين يصف التعاون بأنه "نجاح بارز"، ويؤكد أنه سيوفر الكهرباء للاقتصاد المصري المتنامي.

يرى الخبراء أن المشروع يعكس توازناً مصرياً في العلاقات الدولية، حيث تؤكد الدكتورة عمرو الشوبكي أن مصر "منفتحة على قوى أخرى دون الإخلال بالعلاقة الاستراتيجية مع واشنطن"، مما يعزز استقلاليتها السياسية ودورها الوسيط إقليمياً.

الجدول الزمني: من الحلم إلى التشغيل

تاريخ الحدث
1955 إنشاء هيئة الطاقة الذرية
1961 تشغيل أول مفاعل بحثي (2 ميغاواط)
1974 تخصيص موقع الضبعة لأول مرة
1986 توقف المشروع عقب كارثة تشيرنوبل
2007 تشكيل هيئة المحطات النووية NPPA
2008 إعادة تفعيل دراسات موقع الضبعة
2015 توقيع الاتفاق المبدئي مع روسيا
2017 توقيع العقود النهائية
2022 إذن إنشاء الوحدة النووية الأولى من ENRRA
2025 تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة الأولى
2028 التشغيل التجاري المخطط للوحدة الأولى
2031 اكتمال جميع الوحدات الأربع

الأمان والاستدامة

تنتمي تكنولوجيا VVER-1200 إلى مفاعلات الجيل الثالث المطوّر، التي أخذت دروس حادثة فوكوشيما. تتضمن المحطة هيكلاً مزدوجاً وأنظمة تبريد سلبية ومصيدة قلب المفاعل، مما يضمن انبعاثات كربون صفرية لـ60 عاماً، تدعم استراتيجية مصر 2035 للطاقة.


المصادر:

هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء (NPPA) - الموقع الرسمي | الشرق الأوسط - تقرير حول تطورات المشروع | المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

الوسوم

محطة الضبعة النووية | المشروع النووي المصري | روساتوم في مصر | الطاقة النووية السلمية | أمن الطاقة في مصر

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

لبنان على حافة الانفجار: نهاية مهلة نزع سلاح "حزب الله" ومخاوف عام 2025

البحر الكاريبي يغلي: ترامب يفرض "حجراً صحياً" بحرياً على فنزويلا

طهران تتحدى تهديدات مارالاجو: قدراتنا خارج حدود الاحتواء وردنا سيفوق التصور