هل يقرأ هاتفك أفكارك فعلاً؟.. "ميتا" تنهي الجدل وتحول دردشتك الخاصة إلى سلعة إعلانية

--

بقلم: [المحرر التقني]

هل يقرأ هاتفك أفكارك فعلاً؟ "ميتا" تنهي الجدل وتحول دردشتك الخاصة إلى سلعة إعلانية

هل حدث يوماً أن فكرت في منتج معين، أو تحدثت عنه مع صديق، لتفاجأ بعد دقائق بإعلان عنه يظهر أمامك على شاشة هاتفك؟ هذا السيناريو الذي طالما أثار الرعب والشكوك حول "تجسس" الهواتف علينا، لم يعد مجرد خيال علمي أو نظرية مؤامرة. ابتداءً من يوم غد، 16 ديسمبر 2025، تنتقل شركة "ميتا" (المالكة لفيسبوك وإنستجرام وواتساب) إلى مرحلة جديدة تحول فيها شكوكنا إلى واقع ملموس، ولكن بطريقة قد لا تتوقعها.

في هذا التقرير، نغوص في عمق السياسات الجديدة، ونفكك خرافة "الميكروفون المتجسس"، لنفهم كيف يعرف هاتفك ما يدور في رأسك.

الوهم والحقيقة: كيف تظهر الإعلانات "القارئة للأفكار"؟

قبل الخوض في قرارات "ميتا" الجديدة، يجب أن نفهم الآلية الحالية التي تجعل هاتفك يبدو وكأنه عراف. يميل المستخدمون لاتهام التطبيقات بتسجيل أصواتهم سراً، لكن الخبراء يؤكدون أن الحقيقة أعقد وأذكى من مجرد تسجيل صوتي يستهلك البطارية والبيانات.

السر يكمن في ما يسمى "الاستهداف السلوكي والتنبؤي". شركات الإعلانات لا تحتاج للتنصت عليك، لأنها تملك ما هو أقوى: "بياناتك السلوكية".

كيف تعمل هذه الآلية؟ (رسم توضيحي نصي):

دورة حياة الإعلان الذي "يقرأ أفكارك"
1. التتبع (Pixels)
زيارتك لموقع ما تترك أثراً رقمياً تلتقطه أدوات التتبع فوراً.
2. سجل البحث
كلمات البحث التي كتبتها يتم تحليلها لربط اهتماماتك الحالية.
3. الموقع الجغرافي
تواجدك في متجر معين يفعّل إعلانات لمنتجات مشابهة أو منافسة.
4. التنبؤ الذكي
الخوارزمية تجمع كل ما سبق لتتوقع رغبتك قبل أن تدركها (النتيجة النهائية).
▼ النتيجة: ظهور الإعلان ▼
  1. أدوات التتبع (Pixels): تزرع الشركات أكواد تتبع صغيرة في ملايين المواقع. زيارتك لموقع بيع أحذية لثوانٍ معدودة يتم تسجيلها فوراً.
  2. سجل البحث: ما بحثت عنه على جوجل بالأمس، يحدد ما ستراه على فيسبوك اليوم.
  3. التنبؤ الذكي: إذا اشتريت تذكرة طيران (بيانات شراء)، تتوقع الخوارزميات أنك ستحتاج قريباً لحقيبة سفر أو حجز فندق، فتظهر لك الإعلانات "قبل أن تفكر فيها بوعي".
  4. الموقع الجغرافي: وقوفك في متجر معين قد يفعّل إعلانات لمنتجات منافسة.

يضاف إلى ذلك عامل نفسي يسمى "الانحياز التأكيدي"؛ فأنت تتذكر الإعلان الواحد الذي طابق فكرتك، وتنسى مئات الإعلانات الأخرى غير ذات الصلة التي مرت أمامك طوال اليوم.

16 ديسمبر 2025: اليوم الذي سقط فيه "جدار الدردشة"

الجديد والخطير في الأمر هو ما أعلنته شركة "ميتا" وسيدخل حيز التنفيذ غداً. لقد قررت الشركة كسر الحاجز الأخير للخصوصية: دردشاتك مع الذكاء الاصطناعي (Meta AI).

سابقاً، كان المستخدم يتعامل مع روبوتات الدردشة كمساحة خاصة وآمنة، أشبه بمستشار شخصي أو دفتر مذكرات. لكن وفقاً للسياسة الجديدة، فإن كل حرف تكتبه أو تقوله للذكاء الاصطناعي التابع لميتا سيخضع للتحليل بهدف:

  1. فهم اهتماماتك العميقة.
  2. تكوين صورة دقيقة عن سلوكك اليومي.
  3. استخدام هذه المعلومات لتوجيه إعلانات دقيقة لك على فيسبوك وإنستجرام.

لماذا يعتبر هذا تغييراً جذرياً؟

وفقاً لتقارير تقنية، بما في ذلك ما ذكرته وكالة رويترز، فإن هذا القرار يحول الدردشة من "تفاعل شخصي" إلى "بيانات تجارية". والأخطر من ذلك هو غياب خيار "الرفض" (Opt-out)؛ فاستخدامك للخدمة يعني موافقتك التلقائية على بيع بيانات حديثك للمعلنين.

تطمينات الشركة ومخاوف الخبراء

تحاول "ميتا" تخفيف حدة الموقف عبر التأكيد على استثناء بعض المواضيع الحساسة من التحليل الإعلاني، مثل:

  • النقاشات الدينية.
  • الميول الجنسية.
  • الآراء السياسية.

لكن المراقبين يرون أن هذه التطمينات غير كافية. فالمحادثة مع الذكاء الاصطناعي تتسم بحميمية عالية؛ حيث يبوح المستخدم بمشاكله، خططه، وأفكاره التي قد لا يشاركها حتى مع أقرب الناس إليه. تحويل هذه "الفضفضة" الرقمية إلى وقود للإعلانات يضرب مفهوم الثقة في مقتل.

فجوة الخصوصية: العالم منقسم

المثير للاسغراب أن هذا القرار لن يطبق على الجميع بالتساوي. المستخدمون في الاتحاد الأوروبي، المملكة المتحدة، وكوريا الجنوبية في مأمن من هذا الإجراء الجديد.
لماذا؟
لأن هذه الدول تمتلك قوانين صارمة لحماية البيانات (مثل GDPR) تجبر الشركات على احترام خصوصية المستخدمين. بينما في بقية دول العالم، وبسبب غياب تشريعات مماثلة، تظل خصوصية المستخدم رهينة لسياسات الشركات الربحية.

ويشير تقرير نشرته فوربس إلى أن المعايير الأخلاقية في هذا المجال ما زالت "اختيارية" للشركات وليست ملزمة قانونياً في معظم الدول، مما يترك المستخدمين في "منطقة رمادية"؛ بياناتهم ليست علنية تماماً، لكنها لم تعد ملكاً لهم.

الخلاصة: هل انتهى عصر الخصوصية؟

نحن أمام منعطف تاريخي في علاقتنا بالتكنولوجيا. الإعلان الذي يظهر لك غداً وتظن أنه "يقرأ أفكارك"، هو في الحقيقة نتاج عملية تحليل معقدة لسلوكك، والآن أضيفت إليها أفكارك التي تهمس بها للذكاء الاصطناعي.

بينما يرى المؤيدون أن هذا سيجعل الإعلانات أكثر فائدة وأقل إزعاجاً، يرى المنتقدون أننا ندفع ثمن الخدمات المجانية بعملة باهظة جداً: خصوصية عقولنا وأحاديثنا.


المصادر:

  1. للاطلاع على تفاصيل سياسة الخصوصية وكيفية استخدام البيانات في ميتا:
    مركز الخصوصية في ميتا - Meta Privacy Center

  2. لمتابعة التغطية الإخبارية حول سياسات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي (رويترز):
    وكالة رويترز - قسم التكنولوجيا

  3. لقراءة تحليلات حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وتأثيرها على الأعمال (فوربس):
    مجلة فوربس - قسم الذكاء الاصطناعي

الوسوم

الذكاء الاصطناعي | الخصوصية الرقمية | شركة ميتا | استهداف الإعلانات | تجسس الهواتف

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

لبنان على حافة الانفجار: نهاية مهلة نزع سلاح "حزب الله" ومخاوف عام 2025

البحر الكاريبي يغلي: ترامب يفرض "حجراً صحياً" بحرياً على فنزويلا

طهران تتحدى تهديدات مارالاجو: قدراتنا خارج حدود الاحتواء وردنا سيفوق التصور