رغم أعباء الديون التاريخية.. اقتصادات الدول النامية تسجل نمواً مستقراً في 2025
رغم التحديات غير المسبوقة.. 741 مليار دولار أعباء ديون لم توقف النمو
في مشهد اقتصادي يغلب عليه التشاؤم، خرجت اقتصادات الدول النامية عن السيناريوهات المتوقعة لعام 2025، لترسم ملحمة صمود فاقت توقعات المؤسسات المالية العالمية. فبعد مواجهة مجموعة من الصدمات المتزامنة -بدءاً من النزاعات المسلحة وصولاً إلى الكوارث المناخية- أثبتت هذه الاقتصادات قدرة كبيرة على التكيف والتعافي السريع.
اختبار الصدمات المتعددة
واجهت البلدان النامية عام 2025 اختباراً حقيقياً لقدرتها على الصمود. فالتقرير الصادر عن الموقع الرسمي للبنك الدولي يؤكد أن هذه الدول واجهت سلسلة من الصدمات الاقتصادية المتلاحقة. لم تقتصر التحديات على الصراعات المستمرة والتوترات الجيوسياسية فحسب، بل تعدتها إلى الأحوال الجوية الكارثية التي ضربت مناطق واسعة.
لكن المفاجأة كانت في رد الفعل. فبدلاً من الانهيار الذي توقعه العديد من المحللين، أظهرت المجتمعات المحلية مرونة غير متوقعة. وبنى الاقتصاد القدرة على امتصاص الصدمات وتحويلها إلى محفزات للإصلاح الهيكلي.
741 مليار دولار.. أعباء ديون تاريخية
وشدد التقرير على أنه للسنة الثالثة على التوالي، تجاوز إجمالي ما دفعته الاقتصادات النامية لخدمة الديون ما حصلت عليه من تمويل جديد. لتسجل مدفوعات الديون الخارجية رقماً قياسياً بلغ 741 مليار دولار خلال الفترة من 2022 إلى 2024، لسداد أصل ديونها الخارجية وفوائدها.
هذا الرقم القياسي -الأعلى في 50 عاماً- يمثل عبئاً ثقيلاً على ميزانيات هذه الدول. فبدلاً من توجيه الموارد نحو التنمية والبنية التحتية، تذهب نحو خدمة الديون. ومع ذلك، لم يمنع هذا العبء تحقيق معدلات نمو إيجابية.
تحول المشهد: من التشاؤم إلى التفاؤل الحذر
في بداية العام، سيطرت موجة تفاؤل على الأوساط الاقتصادية، لكنها سرعان ما تحولت إلى تشاؤم مع تصاعد التوترات التجارية وفرض رسوم جمركية جديدة. لكن النتيجة النهائية خالفت التوقعات. فمعدل النمو العالمي حقق 2.7% عام 2025، متسقاً مع التوقعات الأولية رغم كل الاضطرابات.
يعود الفضل في هذا الأداء إلى عدة عوامل:
- إعادة فتح أسواق السندات الدولية
- تراجع أسعار الفائدة العالمية
- استقرار أسواق الطاقة
- تخفيف حدة التوترات التجارية
مثال واقعي: صمود إندونيسيا
تجسد إندونيسيا هذا النموذج الجديد للمرونة. فبحسب تقرير البنك الدولي الصادر في ديسمبر 2025، حافظت الاقتصاد الإندونيسي على نمو بنسبة 5% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، مدعوماً باستثمارات قوية وصادرات صافية. لكن الجديد كان في الاعتماد على التحول الرقمي: توسيع البنية التحتية للإنترنت، تسريع الخدمات الحكومية عبر المنصات الرقمية، واستخدام الذكاء الاصطناعي في تحسين سلاسل الإنتاج. رغم تحديات سوق العمل، نجحت في خلق وظائف جديدة وتنويع مصادر الدخل.
عوامل الصمود: لماذا صمدت الاقتصادات النامية؟
السؤال الأهم يتعلق بمصادر هذه المرونة غير المتوقعة. يشير التقرير إلى أربعة محركات رئيسية:
أولاً: التحولات في سلاسل الإمداد
لم تعد هذه الدول تعتمد على نماذج اقتصادية تقليدية. بل سارعت إلى إعادة هيكلة سلاسل التوريد لتجنب النقاط الحرجة، مما زاد من كفاءتها وقدرتها على مواجهة الاضطرابات.ثانياً: الاستفادة من التكنولوجيا الرقمية
الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية لم تعد حكراً على الدول المتقدمة. فالاقتصادات النامية استغلت هذه التقنيات لتحسين الإنتاجية وتسريع الخدمات الحكومية وتعزيز القطاعات الإنتاجية.ثالثاً: تنويع الأسواق
بدلاً من التركيز على شركاء تجاريين محددين، نجحت هذه الدول في تنويع علاقاتها التجارية، مما قلل من تأثير أي ضغوط أحادية الجانب.رابعاً: السياسات التكيفية السريعة
سرعة رد الفعل السياسي والمالي كانت حاسمة. فالحكومات التي عدلت سياساتها بسرعة نجحت في امتصاص الصدمات بشكل أفضل.النموذج المتغير للتنمية
التجربة أثبتت أن القدرة على الصمود لا تقتصر على حجم الاقتصاد أو مستوى الدخل. فالمرونة أصبحت ميزة تنافسية أساسية. وكما لاحظ تقرير البنك الدولي حول الاقتصادات الأكثر صلابة، فإن البلدان التي استثمرت في البنية التحتية الرقمية وتنويع الاقتصاد وتحسين الحوكمة تمكنت من تحويل التحديات إلى فرص.
رؤية مستقبلية والمخاطر المحتملة
مع دخول 2026، تبقى الأسئلة مشروعة حول استدامة هذا الأداء. فأزمة الديون لم تحل، والتوترات الجيوسياسية لا تزال قائمة، وتحديات المناخ تتفاقم.
تبرز مخاطر أساسية قد تعرقل هذا التقدم:
- ارتفاع الدولار: أي تعافٍ للعملة الأمريكية سيرفع تكلفة خدمة الديون بالنسبة للدول المدينة بالعملة الصعبة
- عودة تشديد السياسة النقدية: إذا عادت البنوك المركزية العالمية لرفع الفائدة لمواجهة التضخم، سينكمش تدفق رؤوس الأموال نحو الدول النامية
- تصاعد الحروب التجارية: أي تراجع في التجارة العالمية سيضرب الصادرات والواردات
لكن التجربة أثبتت أن الاقتصادات النامية تملك أدوات لم تكن موجودة من قبل. لم يعد النمو يعتمد فقط على الموارد الطبيعية أو المساعدات الخارجية، بل على القدرة على التكيف والابتكار والاستفادة من التحولات التكنولوجية. وهذه القدرة هي ما ميز أداء 2025 وجعله يخالف التوقعات السلبية.
المصادر
- البنك الدولي: اقتصاد الدول النامية يخالف التوقعات عام 2025 - جريدة الدستور
- تقرير آفاق الاقتصاد العالمي - يونيو 2025 - البنك الدولي
- إعادة التفكير في المرونة: التكيف مع تغير المناخ - البنك الدولي
الوسوم
اقتصاد الدول النامية|توقعات 2025|أزمة الديون العالمية|المرونة الاقتصادية|التحول الرقمي

.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار