تماسيح في مصارف الشرقية: ذعر شعبي وحقيقة علمية صادمة
تعود قرى محافظة الشرقية المصرية إلى دائرة الضوء مرة أخرى، بعد ظهور تماسيح في المصارف المائية للمرة الثانية خلال شهر واحد. فبعد واقعة تمساح قرية الزوامل الذي أثار الذعر في نوفمبر الماضي وتم اصطياده، تواجه قرية عمريط المجاورة نفس السيناريو المثير للقلق.
الواقعة الجديدة: عمريط تحت المجهر
انتشر مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يظهر جسما داكن اللون يتحرك في مياه مصرف عزبة واصف بقرية عمريط، مركز أبو حماد بمحافظة الشرقية. المشهد المثير للقلق دفع أهالي المنطقة إلى منع أطفالهم من الاقتراب من المصرف المائي العربية.
طالب الأهالي الجهات المعنية بالتدخل السريع لفحص الفيديو والتأكد من صحته. وأكد مصدر مسؤول أن الجهات المختصة تفحص المقطع وتحدد توقيته ومكانه ومدى صحته، تمهيدا لاتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على سلامة المواطنين.
الواقعة السابقة: دروس من قرية الزوامل
في نوفمبر الماضي، شهدت قرية الزوامل بمركز بلبيس في نفس المحافظة واقعة مماثلة، حيث ظهر تمساح في المصرف المائي للقرية. استمرت عمليات البحث عن التمساح لمدة ستة أيام متواصلة، قبل أن تتمكن فرق متخصصة من اصطياده الجزيرة.
نجحت وحدة صيد التماسيح في اصطياد التمساح الذي يبلغ طوله 85 سنتيمترا وعمره حوالي عامين. تمت العملية بمشاركة لجنة فنية من محافظة الشرقية، ومديرية الطب البيطري، وإدارة البيئة، والفرع الإقليمي لجهاز شؤون البيئة، وفريق الإنقاذ النهري.
التفسيرات العلمية: بين الواقع والشائعات
نفي نظرية الهروب من السد العالي
انتشرت تكهنات بأن التماسيح هربت من بحيرة ناصر عبر نهر النيل إلى المصارف الزراعية، لكن الخبراء نفوا هذا الاحتمال تماما. يؤكد الدكتور عباس شراقي، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، أن السد العالي يشكل "حاجزا ماديا ضخما غير قابل للاختراق" يفصل بين موائل التماسيح الطبيعية جنوبا والمجرى الرئيسي لنهر النيل شمال السد.
يشرح شراقي أن التماسيح لا تستطيع تسلق السد أو المرور عبر توربيناته المائية شديدة الخطورة. بالإضافة إلى ذلك، أصبح نظام جريان النيل بعد بناء السد أبطأ وأقل حرارة وأقل في النباتات الطبيعية، مما يجعله غير مناسب بيئيا للتماسيح الجزيرة.
النظرية الأكثر واقعية: التخلص غير المشروع
يميل الخبراء إلى تفسير أكثر واقعية، وهو أن هذه التماسيح كانت تربى في منازل خاصة ثم تم التخلص منها في المصارف المائية. هذا السيناريو مشابه لما حدث في شاطئ الإسكندرية سابقا، حيث عثر على تمساح في مياه البحر.
قدرة التماسيح على التكيف في البيئات الجديدة
التكيف القسري للبقاء
يفسر الدكتور محمد عادل قدري، أستاذ علم الحيوان بجامعة القاهرة، قدرة التماسيح على العيش في المصارف الزراعية بما يسمى "التكيف القسري". هذا يعني أن التمساح لم يكن لديه خيار آخر، فطرأت تغيرات على سلوكه استجابة لضغوط البيئة الجديدة كضرورة للبقاء.
تمتلك التماسيح عدة سمات تساعدها على هذا التكيف:
1. التكيف الأسموزي وتنظيم الأملاح: تملك غددا ملحية متخصصة في اللسان تساعدها على التخلص من الأملاح الزائدة والحفاظ على توازن السوائل، حتى في المياه الغنية بالأملاح والمعادن والأسمدة.
2. المرونة الغذائية: التماسيح كائنات انتهازية التغذية، تتغذى على ما هو متوفر من ضفادع وقوارض وطيور وبقايا الحيوانات، مما يجعل المصارف بيئة مناسبة لتوافر الغذاء.
3. تحمل الملوثات: تستطيع تحمل مستويات مرتفعة من النترات والفوسفات الناتجة عن الأسمدة، بفضل بطء معدل الأيض وقدرة الكبد العالية على إزالة السموم.
4. التعامل مع نقص الأكسجين: قادرة على حبس أنفاسها لأكثر من ساعة وإبطاء دقات القلب لتقليل استهلاك الأكسجين الجزيرة.
المخاطر والتحديات
إقامة مؤقتة وليست دائمة
رغم قدرة التماسيح على التكيف، يؤكد الخبراء أن إقامتها في المصارف ليست مثالية أو دائمة. فالعيش في هذه البيئة الملوثة يسبب انخفاضا في متوسط العمر بسبب زيادة التعرض للأمراض والسموم، كما يحدث اضطراب في قدرتها على التكاثر.
الخطر على السكان
وجود التماسيح في المصارف المائية القريبة من المناطق السكنية يشكل خطرا مباشرا على الأهالي، خاصة الأطفال الذين قد يقتربون من هذه المناطق للعب أو جلب المياه.
الحلول والإجراءات المطلوبة
تشديد الرقابة على التجارة
يرى الخبراء أن الحل الأساسي يكمن في تشديد الرقابة على أسواق بيع وتداول هذه الحيوانات، لمنع التخلص منها في مواطن غير طبيعية. ينص القانون المصري رقم 29 لسنة 2023 على منع تربية أو تملك أو بيع الحيوانات الخطرة دون ترخيص، بغرامات تتراوح بين 10 آلاف و500 ألف جنيه.
الاستجابة السريعة للبلاغات
تتعامل الجهات المصرية المختصة بجدية مع هذه البلاغات، من خلال تشكيل لجان فنية متخصصة تضم خبراء من الطب البيطري وإدارة البيئة وفرق الإنقاذ النهري. هذه اللجان تقوم بفحص البلاغات والتأكد من صحتها قبل اتخاذ الإجراءات المناسبة.
التوعية المجتمعية
من المهم توعية الأهالي بعدم الاقتراب من المصارف المائية عند وجود شكوك حول وجود كائنات مفترسة، وضرورة الإبلاغ الفوري للجهات المختصة بدلا من محاولة التعامل مع الموقف بأنفسهم.
خلاصة
تكرار ظهور التماسيح في المصارف المائية بمحافظة الشرقية يثير تساؤلات مهمة حول مدى انتشار ظاهرة تربية الحيوانات المفترسة في المنازل والتخلص منها بطرق غير مشروعة. وبينما تؤكد التفسيرات العلمية أن هذه الحوادث ليست نتيجة لهجرة طبيعية من بيئات أخرى، فإنها تسلط الضوء على ضرورة تطبيق القوانين بصرامة أكبر ورفع مستوى الوعي حول مخاطر تربية هذه الكائنات.
العبرة من هذه الأحداث أن الحلول الجذرية تتطلب تضافر جهود الجهات الرقابية والمجتمع المحلي للحد من هذه الظواهر قبل أن تتفاقم وتشكل تهديدا أكبر على السلامة العامة.
المصادر:
-
الجزيرة - التماسيح تظهر في مصارف محافظة مصرية.. ما التفسير العلمي؟
-
العربية - أثار الذعر بين الأهالي.. صيد تمساح قرية الزوامل في مصر
الوسوم
تماسيح مصر | مصارف الشرقية | تمساح قرية الزوامل | تماسيح المصارف المائية | الحياة البرية في مصر

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار