فوائد الديون تلتهم إيرادات مصر وتفاقم أزمة المالية العامة

--

فوائد الديون تلتهم إيرادات مصر وتفاقم أزمة المالية العامة

القاهرة – في تطور مقلق للوضع المالي المصري، أظهرت بيانات رسمية أن فوائد خدمة الدين العام تجاوزت إجمالي إيرادات الدولة خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام المالي 2025-2026، مما يزيد الضغط على الاقتصاد المترنح أصلاً تحت وطأة أزمات متعددة.

كشف التقرير الشهري لوزارة المالية المصرية أن فوائد الديون ارتفعت بنسبة 54% لتسجل 899.11 مليار جنيه مصري (نحو 18.95 مليار دولار أمريكي)، وهو ما يمثل 104% من إجمالي الإيرادات، أي أن كل جنيه يدخل خزينة الدولة لا يكفي لتغطية تكلفة الفوائد فحسب، بل يتطلب اقتراضاً إضافياً لتغطية الفجوة.

أرقام صادمة

ارتفع العجز الكلي للموازنة إلى 3.2% من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة من يوليو إلى أكتوبر 2025، مقارنة بـ2.6% في الفترة نفسها من العام المالي السابق، وفقاً للتقرير الذي نشر على الموقع الرسمي لوزارة المالية (https://www.mof.gov.eg/ar-eg/Pages/MonthlyFinancialIndicators.aspx).

وتوقعت الحكومة المصرية أن يصل العجز الكلي لموازنة السنة المالية الجارية 2025-2026 إلى 7.3% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تسعى لتحقيق فائض أولي بنسبة 4% من الناتج المحلي الإجمالي.

لكن ما يثير القلق أن فوائد الدين أصبحت تشكل العبء الأكبر على المالية العامة، حيث تبلغ الديون الخارجية لمصر أكثر من 156 مليار دولار في الربع الأول من العام الجاري، بحسب بيانات البنك المركزي المصري (https://www.cbe.org.eg/ar/EconomicResearch/Statistics/Pages/ExternalDebt.aspx).

فوائد الدين تتجاوز إيرادات الدولة

الفائض الأولي وخدمة الدين

حقق الميزانية فائضاً أولياً بلغ 1.1% من الناتج المحلي الإجمالي (نحو 236.8 مليار جنيه) خلال الأربعة أشهر الأولى، مقارنة بـ0.7% في الفترة نفسها من العام الماضي. يعني الفائض الأولي أن إيرادات الدولة تغطي مصروفاتها دون احتساب فوائد الدين، لكن هذه الإيجابية تتلاشى تماماً عند إضافة تكلفة خدمة الدين.

في هذا السياق، قال وزير المالية المصري أحمد كجوك في مؤتمر صحفي خلال أغسطس 2025: "إن العجز الكلي لموازنة مصر تضاعف إلى 1.26 تريليون جنيه في العام المالي الماضي 2024-2025، بضغط فوائد الديون التي التهمت معظم إيرادات الميزانية"، مشيراً إلى أن نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي ارتفع إلى 4.5% مقارنة بالعام الأسبق.

الضرائب ترتفع لكنها لا تكفي

سجلت الإيرادات الضريبية نمواً ملحوظاً بلغ 35% لتصل إلى 756.74 مليار جنيه، ما يعادل 87.5% من إجمالي الإيرادات. أرجعت وزارة المالية هذا الارتفاع إلى تعافي النشاط الاقتصادي وحل أزمة النقد الأجنبي، بالإضافة إلى مساهمة ميكنة النظم الضريبية في تطوير الإدارة الضريبية وزيادة الحصيلة.

لكن هذه الزيادة الضريبية لم تتمكن من مواجهة ارتفاع مصروفات الحكومة التي قفزت بنسبة 37% إلى 1.5 تريليون جنيه. وارتفعت الأجور وتعويضات العاملين بنسبة 8.2% لتصل إلى 213.24 مليار جنيه، تمثل 14% من المصروفات، بينما تراجع دعم شراء السلع والخدمات بنسبة 10% إلى 50.2 مليار جنيه.

الديون الخارجية تصل لأرقام قياسية

أظهر تقرير البنك المركزي المصري أن إجمالي الدين الخارجي ارتفع إلى 161.23 مليار دولار في يونيو 2025، بزيادة 4.54 مليار دولار خلال الربع الثاني من العام، ليصل الدين قصير الأجل إلى 30.91 مليار دولار. ويمكن الاطلاع على التفاصيل الكاملة في التقرير الربع سنوي للبنك المركزي (https://www.cbe.org.eg/-/media/project/cbe/listing/position/external-position-89.pdf).

تحليل الأسباب والعواقب

يرجع خبراء اقتصاديون سبب تفاقم أزمة الدين إلى عدة عوامل، أبرزها:

  1. ارتفاع تكلفة التمويل عالمياً وتأثيرها على معدلات الفائدة
  2. التوسع الاستدانة المحلية والخارجية لتمويل العجز
  3. الضغوط الناجمة عن تداعيات الصراعات الإقليمية وأثرها على إيرادات قناة السويس

حذر تقرير لمركز المبادرة المصرية للحقوق الشخصية (https://www.eipr.org/sites/default/files/reports/pdf/egypt_in_the_grip_of_debt_4_0.pdf) من أن فوائد الدين تستهلك نصف إجمالي مصروفات الدولة، مشيراً إلى أن هذه الفوائد تمثل 11.2% من الناتج المحلي الإجمالي في الموازنة الجديدة، متجاوزة بذلك إجمالي ما تخصصه الدولة للأجور والدعم والتعليم والصحة مجتمعين.

الإصلاحات المطلوبة

طالب خبراء بضرورة اتخاذ خطوات جذرية تشمل:

  • تعديل هيكل الدين لتقليل الاعتماد على الدين قصير الأجل
  • زيادة الإيرادات غير الضريبية من خلال خصخصة بعض القطاعات
  • كبح الإنفاق الحكومي غير الضروري
  • توسيع القاعدة الضريبية بشكل عادل دون إرهاق الطبقة المتوسطة

أكدت وكالة ستاندرد آند بورز للتصنيف الائتماني في تقريرها الأخير (https://www.spglobal.com/ratings/en/regulatory/article/-/view/type/HTML/id/3456844) أن تحسن الآفاق الاقتصادية لمصر يعتمد بشكل أساسي على استمرار الإصلاحات الهيكلية وتقليص حجم الحكومة المركزية وتحسين مناخ الأعمال.

خاتمة

تشكل أزمة خدمة الدين العام التحدي الأكبر أمام الاقتصاد المصري، رغم المؤشرات الإيجابية في تحقيق فائض أولي ونمو الناتج المحلي. تزداد المخاوف من أن استمرار هذا النمط قد يدفع الدولة نحو دائرة مفرغة من الاقتراض لتسديد فوائد الدين القديم، مما يهدد استقرار المالية العامة على المدى المتوسط والبعيد.


مصادر:

الوسوم

أزمة الدين العام في مصر | فوائد الديون المصرية | العجز الميزاني المصري | الدين الخارجي لمصر | المالية العامة المصرية

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

الذهب يتربع على عرش الملاذات الآمنة: هل يستمر الصعود أم أن التراجع بات وشيكاً؟

ترامب بعد الإطاحة بمادورو: مطالب بجرينلاند وتوسع النفوذ الأمريكي في نصف الكرة الغربي

المثلث الأميركي المرعب.. خطة واشنطن للاستحواذ على نفط فنزويلا وكابوس الصين