انتهاء العمليات العسكرية.. ما وراء التصعيد بين كابول وإسلام آباد

--

انتهاء العمليات العسكرية.. ما وراء التصعيد بين كابول وإسلام آباد

تصعيد عسكري غير مسبوق على الحدود الأفغانية الباكستانية

في تطور خطير للأزمة بين أفغانستان وباكستان، أعلنت وزارة الدفاع الأفغانية، يوم السبت، انتهاء عملية عسكرية واسعة النطاق شنتها ضد القوات الباكستانية على طول خط ديورند الحدودي، في أول مواجهة عسكرية مباشرة بين الجانبين منذ سيطرة حركة طالبان على السلطة في كابول عام 2021.

ما الذي أشعل فتيل المواجهة؟

بدأت الأزمة الحالية يوم الخميس الماضي، عندما هزت ثلاثة انفجارات أفغانستان: اثنان في العاصمة كابول، وثالث في جنوب شرق البلاد. وسرعان ما اتهمت حكومة طالبان باكستان بشن ضربات جوية على الأراضي الأفغانية، معتبرة ذلك "انتهاكاً صارخاً للسيادة الأفغانية".

من جانبها، لم تؤكد إسلام آباد ولم تنفِ مسؤوليتها عن هذه الضربات، لكنها وجهت اتهاماً مضاداً لكابول بـ"إيواء ودعم عناصر من حركة طالبان الباكستانية"، وهي جماعة مسلحة تشن هجمات داخل الأراضي الباكستانية.

العملية العسكرية الأفغانية: النطاق والأهداف

أعلن الناطق باسم وزارة الدفاع الأفغانية، عناية الله خوارزمي، أن القوات الأفغانية نفذت مساء السبت عملية عسكرية ضد القوات الباكستانية على طول خط ديورند، وهو الخط الحدودي الذي يمتد لنحو 2,640 كيلومتراً بين البلدين.

وشملت العملية خمس ولايات حدودية أفغانية هي:

  • كونار (شمال شرق)
  • ننغرهار (شرق)
  • بكتيا (جنوب شرق)
  • خوست (جنوب شرق)
  • هلمند (جنوب)

وأفاد مسؤولون محليون بـ"اشتباكات عنيفة" استخدمت فيها الأسلحة الخفيفة والمدفعية الثقيلة، في مشهد يعكس خطورة التصعيد بين الجارتين.

الرد الباكستاني

من الجانب الباكستاني، كشف مسؤول رفيع في مدينة بيشاور (عاصمة إقليم خيبر بختونخوا الحدودي) عن تفاصيل المواجهة، قائلاً إن "قوات طالبان بدأت باستخدام أسلحة خفيفة ثم تصاعد الأمر إلى استخدام المدفعية الثقيلة في أربعة مواقع حدودية".

وأضاف أن القوات الباكستانية ردت بإطلاق نار كثيف، وأسقطت ثلاث طائرات مسيّرة أفغانية يُشتبه في أنها كانت تحمل متفجرات، في إشارة إلى تطور قدرات طالبان العسكرية منذ استيلائها على الأسلحة الأمريكية المتروكة.

جذور الأزمة: صراع متعدد الطبقات

1. حركة طالبان الباكستانية

تمثل حركة "تحريك طالبان باكستان" (TTP) العقدة الأساسية في التوتر بين البلدين. تتهم إسلام آباد كابول بتوفير ملاذ آمن لهذه الجماعة التي تشن هجمات داخل باكستان، بينما تنفي حكومة طالبان الأفغانية هذه الاتهامات بشكل قاطع.

وفي تقرير للأمم المتحدة صدر في وقت سابق من عام 2025، أُشير إلى أن حركة طالبان الباكستانية "تتلقى دعماً لوجستياً وعملياتياً كبيراً من السلطات الفعلية" في كابول، وهو ما يضع حكومة طالبان الأفغانية في موقف محرج دولياً.

2. خط ديورند: حدود متنازع عليها

يشكل خط ديورند، الذي رُسم عام 1893 في عهد الاستعمار البريطاني، نقطة خلاف تاريخية بين البلدين. لا تعترف أفغانستان رسمياً بشرعية هذا الخط الحدودي، معتبرة أنه فرض عليها قسراً وقسّم القبائل البشتونية بين البلدين.

3. تنظيم الدولة الإسلامية

تضيف كابول بُعداً آخر للأزمة باتهام إسلام آباد بدعم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في أفغانستان، وهو ما تنفيه باكستان بشدة. ويُعتبر تنظيم الدولة أحد أبرز التهديدات الأمنية لحكومة طالبان، حيث نفذ عدة هجمات دموية في كابول والولايات الأفغانية.

التحذير الأفغاني: استعداد للرد

اختتم الناطق العسكري الأفغاني تصريحه بتحذير واضح: "انتهت هذه العملية عند منتصف الليل، لكن إذا ما انتُهكت مجددا الأراضي الأفغانية، فإن قواتنا المسلحة مستعدة للتفاعل والتحرك بحزم".

هذا التصريح يعكس تحولاً في موقف طالبان من "الدفاع" إلى "الردع"، في رسالة واضحة لإسلام آباد بأن كابول لن تتسامح مع أي انتهاكات حدودية مستقبلية.

الموقف الباكستاني: نفاد الصبر

في جلسة برلمانية يوم الخميس، أعلن وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف أن جميع الجهود الدبلوماسية لإقناع حكومة طالبان بوقف دعم حركة طالبان الباكستانية قد "باءت بالفشل".

وفي تصريح حاسم، قال الوزير: "لن نتسامح مع هذا الأمر بعد الآن"، داعياً إلى "التكاتف في الرد على من يسهلون لهم الأمر، سواء كانت المخابئ على أراضينا أو في الأراضي الأفغانية"، في إشارة واضحة إلى استعداد إسلام آباد لشن عمليات عسكرية داخل الأراضي الأفغانية إذا لزم الأمر.

التداعيات الإقليمية والدولية

هذا التصعيد العسكري يثير قلقاً دولياً واسعاً لعدة أسباب:

  1. عدم الاستقرار الإقليمي: المواجهة بين دولتين تمتلكان قدرات عسكرية كبيرة (باكستان دولة نووية) قد تجر المنطقة إلى صراع أوسع.

  2. الأزمة الإنسانية: أي حرب محتملة ستؤدي إلى نزوح ملايين المدنيين في منطقة تعاني أصلاً من فقر وجفاف.

  3. الجماعات المتطرفة: الفوضى الناتجة عن أي صراع ستوفر بيئة مثالية لنمو الجماعات الإرهابية مثل داعش والقاعدة.

  4. الاقتصاد: باكستان تعاني من أزمة اقتصادية خانقة، وأي حرب ستزيد من تفاقم أوضاعها المالية.

السيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول: التهدئة الدبلوماسية

قد تتدخل دول إقليمية مثل الصين وإيران والسعودية للوساطة بين الطرفين، خاصة أن بكين لها مصالح اقتصادية ضخمة في كلا البلدين (مبادرة الحزام والطريق).

السيناريو الثاني: الحرب المحدودة

استمرار الاشتباكات الحدودية المتقطعة دون تطورها إلى حرب شاملة، مع ضربات جوية باكستانية محدودة وردود أفغانية بالمدفعية.

السيناريو الثالث: التصعيد الشامل

في أسوأ الحالات، قد تتطور المواجهة إلى حرب إقليمية تشمل قوات برية، وهو ما سيكون كارثياً على المنطقة بأسرها.

خلاصة

المواجهة العسكرية الأخيرة بين أفغانستان وباكستان ليست حدثاً عابراً، بل هي انعكاس لأزمة عميقة الجذور تتعلق بالحدود المتنازع عليها، والجماعات المسلحة العابرة للحدود، والمصالح الإقليمية المتضاربة.

وبينما أعلنت كابول انتهاء عمليتها العسكرية، إلا أن التحذيرات المتبادلة تشير إلى أن الأزمة بعيدة عن الحل، وأن المنطقة قد تشهد مزيداً من التصعيد في الأيام المقبلة، ما لم تنجح الجهود الدبلوماسية في احتواء الأزمة قبل خروجها عن السيطرة.

المصادر:

  1. وكالة فرانس برس (AFP) - التي نقلت عنها المقال الأصلي تصريحات المسؤولين المحليين والعسكريين
  2. وزارة الدفاع الأفغانية - البيانات الرسمية عبر المتحدث عناية الله خوارزمي
  3. تقارير الأمم المتحدة حول العلاقة بين حركة طالبان الأفغانية وطالبان الباكستانية

ملاحظة: للحصول على تحديثات فورية حول تطورات الأزمة، ينصح بمتابعة المصادر الإخبارية الدولية الموثوقة والبيانات الرسمية من الحكومتين.

الوسوم

أفغانستان | باكستان | خط ديورند | طالبان | التصعيد العسكري

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

لبنان على حافة الانفجار: نهاية مهلة نزع سلاح "حزب الله" ومخاوف عام 2025

البحر الكاريبي يغلي: ترامب يفرض "حجراً صحياً" بحرياً على فنزويلا

طهران تتحدى تهديدات مارالاجو: قدراتنا خارج حدود الاحتواء وردنا سيفوق التصور