الدين العام الأميركي: قنبلة موقوتة ترجح كفة الإغلاق الحكومي وتهدد الاقتصاد العالمي
--
مع دخول الإغلاق الحكومي الخامس عشر في تاريخ الولايات المتحدة يومه العاشر، تتعالى الأصوات داخل أروقة الكونغرس حول مخصصات الرعاية الصحية ودعم المهاجرين، لكنّ ثمة رقماً ضخماً يغيب عن خطاب الحزبين: الدين العام الذي يقترب من 38 تريليون دولار، وتكاليف خدمته التي تتجاوز عتبة التريليون دولار سنوياً لأول مرة على الإطلاق، بحسب أحدث بيانات مكتب الميزانية في الكونغرس (CBO) .
1. أرقام لا تخطئ
- الدين الإجمالي: 37.9 تريليون دولار حتى أكتوبر 2025، أي ما يعادل 120 % من إجمالي الناتج المحلي (GDP).
- فاتورة الفائدة: 1.0 تريليون دولار في السنة المالية 2025، متفوّقة على ميزانية الدفاع البالغة 886 مليار دولار .
- العجز السنوي: 1.8 تريليون دولار، بانخفاض طفيف عن 2024، لكنّه يبقى قريباً من أعلى مستوياته التاريخية .
- منحنى الدين: إذا بقيت السياسات الحالية دون تعديل، فسيقفز الدين إلى 134 % من GDP بحلول 2035، ويبلغ عجز الموازنة 2.6 تريليون دولار سنوياً .
2. لماذا يتجاهل السياسيون الأزمة؟
يقول مايا ماكجيناس، رئيسة «لجنة الميزانية الاتحادية المسؤولة»، إن «الحزبين يخوضان حرب رسائل متبادلة بدل التعامل مع المشكلة المالية الضخمة» . فالجمهوريون يركزون على خفض الإنفاق الاجتماعي، بينما يرى الديمقراطيون ضرورة زيادة الإنفاق على الرعاية الصحية ودعم ذوي الدخل المحدود. ونتيجة لذلك، لم يطرح حتى الآن أي مشروع قانون جاد يخفض العجز المتزايد.3. تأثير الإغلاق الحالي
الإغلاق الجزئي الحالي – الذي بدأ في الأول من أكتوبر – لا يطال سوى ربع الإنفاق الفيدرالي (1.7 تريليون دولار)، لكنه يعقد المشهد:- توقف رواتب نحو 800 ألف موظف فيديرالي مؤقتاً.
- تعليق برامج بحثية وبيانات اقتصادية حيوية تستخدم لرسم السياسات.
- ارتفاع تكلفة الفرصة البديلة: كل أسبوع إغلاق ينقص الناتج المحلي بنحو 0.1 % وفق تقديرات «موديز».
4. كيف وصلنا إلى هنا؟
ببساطة: الإنفاق ينمو أسرع من الإيرادات. أبرز عوامل الارتفاع في 2025:- الفائدة: +90 مليار دولار بسبب تراكم الدين وارتفاع أسعار الفائدة .
- الضمان الاجتماعي: +111 مليار نتيجة زيادة عدد المستفيدين وتعديل تكلفة المعيشة .
- ميديكير وميديكايد: +64 و+52 مليار على التوالي مع تقدّم التضخم وزيادة أعداد المتقاعدين .
- الإعفاءات الضريبية: انخفضت إيرادات الضريبة على الشركات 77 مليار دولار بعد توسيع الإعفاءات في قانون «OBBBA» .
5. ما المخاطر المقبلة؟
- انكماش الوسادة المالية: عندما اندلعت أزمة 2008 كان الدين 64 % من GDP، أمّا الآن فهو يقترب من الضعف، ما يحدّ من قدرة واشنطن على إطلاق حزم تحفيز جديدة.
- مخاطر «الهيمنة المالية»: احتمال أن يضطر الاحتياطي الفيدرالي لشراء سندات الخزانة بكميات أكبر لتثبيت العجز، ما يُقوّض استقلاليته .
- هروب المستثمرين الأجانب: ارتفعت التعريفات الجمركية بنسبة 153 % لتصل إلى 118 مليار دولار إيرادات إضافية في 2025، لكنّ ذلك رفع المخاطرة التجارية ودفع الدولار للانخفاض 12.7 % أمام اليورو منذ يناير .
- تراجع صناديق الائتمان الاجتماعي: تُظهر حسابات الضمان الاجتماعي عجزاً متزايداً قد يُجبر الحكومة على خفض المخصصات أو رفع الضرائب بحلول 2033.
6. هل من مخرج؟
خبراء «لجنة الميزانية الاتحادية» يقترحون حزمة إجراءات يمكن أن تخفض الدين 60 % من GDP بحلول 2050، منها :- توسيع متطلبات العمل في برامج الإعانة ليوفّر 140 مليار دولار.
- إلغاء دعم المزارعين ليوفّر 270 مليار دولار.
- خفض مزايا تقاعد موظفي الحكومة الفيدرالية ليوفّر 170 مليار دولار.
- تمديد الإعانات الصحية الموسّعة بشكل محدود لتقليل الزيادة الكبيرة في ميديكير.
لكنّ أيّاً من هذه الخطوات لن يُحقق نتيجة دون توافق حزبي نادر حول مزيج من رفع الإيرادات (ضرائب) وخفض النفقات (إصلاح البرامج الاجتماعية).
7. ماذا يعني ذلك للعالم؟
تمثّل سندات الخزانة الأميركية (Treasuries) نحو 29 % من احتياطي العالم، بقيمة 8.5 تريليون دولار. ومع ارتفاع المخاطر المالية:- تتزايد مبيعات البنوك المركزية الأجنبية من الذهب كتحوّط بديل.
- قد تضطر واشنطن لرفع العائد على سنداتها لجذب المشترين، ما يُكبح الاستثمار العالمي ويُصعّب تمويل التنمية في الأسواق الناشئة.
خلاصة
الإغلاق الحكومي الحالي مجرد عَرَض لمرض مزمن يُسمّى «العجز المزدوج» (trade & budget). وإذا استمرت حلقات الشدّ والجذب بين الحزبين دون اتفاق على خفض الدين، فإنّ الولايات المتحدة قد تجد نفسها أمام خيارات مؤلمة: تخفيض قيمة الدولار، رفع الضرائب بشكل كبير، أو تقليص مخصصات الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، وهو ما يعني أزمة سياسية واقتصادية أكبر من أي إغلاق حكومي مرّ.المصادر:
: Peter G. Peterson Foundation – Current Debt & Deficit: Committee for a Responsible Federal Budget – CBO Estimates 1.8 Trillion Deficit for FY2025
: Fox Business – Federal Deficit Hits 1.8 Trillion with Record Debt Interest Costs
الوسوم
الدين العام الأمريكي | الإغلاق الحكومي | العجز الفيدرالي | الاقتصاد العالمي | سندات الخزانة

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار