كيف تجاوز الدين الأمريكي 36 تريليون دولار؟ قصة تراكم الديون التي تهز الاقتصاد العالمي
المقدمة: الرقم القياسي الذي يهدد الاقتصاد
في مايو 2025، سجل الدين العام الأمريكي 36.2 تريليون دولار، وهو أعلى مستوى في التاريخ، ويمثل 122% من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة. هذا الرقم المهول لم يظهر بين ليلة وضحاها، بل هو نتيجة تراكمات لعقود من السياسات الضريبية والحروب والطوارئ الاقتصادية. الأكثر إثارة للقلق هو أن هذا الدين ينمو بمعدل 6.6 مليار دولار يومياً، وفق بيانات وزارة الخزانة الأمريكية .
الفصل الأول: المحطات التاريخية التي شكلت منحنى الدين
١. نقطة التحول: حروب وتخفيضات ضريبية (2001-2003)
بدأ المنحنى الصاعد للدين مع إقرار الرئيس جورج بوش حزمة التخفيضات الضريبية عام 2001، والتي كلفت الخزانة الأمريكية 1.5 تريليون دولار خلال عقد. بعد أشهر فقط، أحداث 11 سبتمبر قادت إلى حربين في أفغانستان والعراق، تم تمويلهما بالكامل عبر الاقتراض، وأضافت 4-6 تريليونات دولار للدين .
٢. الأزمات الاقتصادية: الركود العظيم وجائحة كورونا
- 2008-2009: الأزمة المالية العالمية دفعت الحكومة لإطلاق حزم تحفيز بقيمة 2 تريليون دولار، بينما انخفضت الإيرادات الضريبية بسبب البطالة.
- 2020-2021: جائحة كورونا أدت إلى أكبر قفزة في التاريخ، حيث أقرت إدارتا ترامب وبايدن حزم إنقاذ بقيمة 6.3 تريليون دولار .
٣. سياسات ضريبية متواصلة
- 2017: التخفيضات الضريبية في عهد ترامب خفضت معدل الضريبة على الشركات من 35% إلى 21%، مما قلل الإيرادات الحكومية 1.5-2.9 تريليون دولار في 10 سنوات.
- 2025: مشروع قانون ترامب الجديد لتمديد التخفيضات قد يضيف 5 تريليونات دولار للدين خلال العقد المقبل .
| (المصدر: واشنطن بوست) |
الفصل الثاني: تشريح الدين.. من يملك ديون أمريكا؟
١. التركيبة الهيكلية للدين
ينقسم الدين الأمريكي إلى نوعين رئيسيين:
- الدين العام (79%): 28.88 تريليون دولار، يحتفظ به المستثمرون المحليون والأجانب عبر سندات الخزانة.
- الدين الحكومي الداخلي (21%): 7.36 تريليون دولار، يمثل قروضاً بين الوكالات الفيدرالية (مثل الاقتراض من صندوق الضمان الاجتماعي) .
٢. الدول الدائنة الكبرى
| الدولة | قيمة الديون (مليار دولار) | النسبة |
|---|---|---|
| اليابان | 1,130 | 15.3% |
| المملكة المتحدة | 779 | 10.5% |
| الصين | 765 | 10.3% |
| جزر كايمان | 455 | 6.1% |
| كندا | 426 | 5.8% |
| (بيانات نوفمبر 2024 - المصدر: وزارة الخزانة الأمريكية) |
٣. لماذا تشتري الدول ديون أمريكا؟
- الأمان: السندات الأمريكية تعتبر "ملاذاً آمناً" بسبب استقرار الاقتصاد الأمريكي.
- السيولة: سهولة تداولها في الأسواق العالمية.
- الاحتياطيات: الدول تحول فائض الدولارات لاستثمارات في الخزانة بدلاً من تحويل العملات .
الفصل الثالث: الدين ككرة ثلج.. كيف يتضخم بلا توقف؟
١. حلقة مفرغة: الفائدة المركبة
مع ارتفاع الدين، تزداد تكاليف خدمته:
- 2024: أنفقت الحكومة 240 مليار دولار أكثر عن العام السابق على مدفوعات الفوائد فقط.
- 2035 المتوقع: قد تصل مدفوعات الفائدة إلى 30% من الإيرادات الحكومية (مقابل 10% في 2021) .
٢. الإنفاق الإلزامي: القاطرة التي لا تتوقف
يمثل الإنفاق على البرامج الاجتماعية 70% من الميزانية الفيدرالية، ويشمل:
- الضمان الاجتماعي: معاشات التقاعد لنحو 67 مليون أمريكي.
- برامج الرعاية الصحية: "ميديكير" للمسنين و"ميديكيد" لذوي الدخل المحدود.
- برامج مكافحة الفقر: مثل "سناب" (كوبونات الطعام).
أي محاولة لتقليص هذه البرامج تواجه معارضة سياسية شديدة .
الفصل الرابع: لماذا لا تنهار أمريكا رغم الديون؟ المفارقة العالمية
١. هيمنة الدولار: "امتياز لا يصدق"
- الدولار يشكل 58% من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية.
- الطلب العالمي على الدولار يمكن الحكومة الأمريكية من الاقتراض بأسعار فائدة منخفضة رغم الديون المرتفعة.
- اليابان تثبت أن نسب الدين/الناتج قد تتجاوز 250% دون أزمات إذا كان الاقتراض محلياً وبعملة الدولة .
٢. مقارنة مع الدول النامية: معايير مزدوجة
| الولايات المتحدة | مصر (كمثال) | |
|---|---|---|
| نسبة الدين/الناتج | 122% | 90% |
| متوسط سعر الفائدة | 3-4% | 12-15% |
| نسبة الفائدة/الإيرادات | 10% (2024) | 45% (2023) |
| الدول النامية تقترض بأسعار أعلى 2-4 مرات من أمريكا، مما يجعل ديونها غير قابلة للاستدامة رغم صغر حجمها . |
الفصل الخامس: العواصف القادمة.. تحذيرات وخيارات صعبة
١. إنذارات التصنيف الائتماني
في مايو 2025، خفضت وكالة "موديز" التصنيف الائتماني الأمريكي من AAA إلى AA1، وهي آخر وكالة كبرى تسحب التصنيف الممتاز. أسباب التخفيض:
- توقعات العجز: قد يصل إلى 9% من الناتج بحلول 2035.
- الانقسام السياسي: عجز الإدارات المتعاقبة عن معالجة الخلل الهيكلي .
٢. سيناريوهات المستقبل
- السيناريو المتشائم: إذا استمر النمو الحالي، قد يصل الدين إلى 50.7 تريليون دولار (200% من الناتج) بحلول 2034 .
- السيناريو الإصلاحي: يتطلب خفضاً في الإنفاق الإلزامي وزيادة الإيرادات الضريبية، لكنه يواجه عقبات سياسية .
الخاتمة: ديون اليوم.. أزمات الغد
الدين الأمريكي البالغ 36 تريليون دولار ليس مجرد رقم، بل هو نتاج خيارات استراتيجية تراكمت عبر 4 رؤساء و12 كونغرساً. رغم أن هيمنة الدولار توفر حاجزاً وقائياً مؤقتاً، إلا أن كلفة الفرص البديلة تصبح أكثر وضوحاً:
- تآكل الميزانية: مدفوعات الفوائد تنافس الإنفاق على الدفاع والصحة والتعليم.
- تقييد المرونة: تقل قدرة الحكومة على مواجهة الأزمات المستقبلية.
كما قال وزير الخزانة الأسبق لورانس سامرز: "الديون هي ضريبة على المستقبل"، والولايات المتحدة تدفعها الآن من رصيد أمانتها المالية.
المصادر الرئيسية:
- كيف وصل الدين العام الأميركي إلى أكثر من 36 تريليون دولار؟ - الشرق الأوسط
- See how the national debt grew to more than $36 trillion - واشنطن بوست
- 36 تريليون دولار ديوناً على أمريكا - عربي بوست
الوسوم
الدين الأمريكي | الناتج المحلي | السندات الأمريكية | التصنيف الائتماني | مدفوعات الفائدة

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار