قناة السويس تنتعش من جديد: عودة السفن العملاقة وخسائر بـ8 مليارات دولار

--

قناة السويس تنتعش من جديد: عودة السفن العملاقة وخسائر بـ8 مليارات دولار

بدأت قناة السويس المصرية تشهد انفراجة ملحوظة في حركة الملاحة البحرية مع عودة السفن العملاقة للعبور عبر مجراها الملاحي، بعد فترة عصيبة من التراجع الحاد في الإيرادات والحركة نتيجة التوترات في منطقة البحر الأحمر. وتأتي هذه العودة التدريجية بفضل مزيج من العوامل، أبرزها السياسات التحفيزية الجديدة التي أطلقتها هيئة قناة السويس، وتحسن الأوضاع الأمنية في المنطقة بعد توقف هجمات الحوثيين.

قناة السويس تنتعش من جديد: عودة السفن العملاقة وخسائر بـ8 مليارات دولار

أزمة البحر الأحمر وتداعياتها على قناة السويس

شهدت قناة السويس، الشريان الملاحي الأهم عالمياً، تراجعاً غير مسبوق في إيراداتها وحركة السفن خلال عام 2024، حيث انخفضت الإيرادات من 10.2 مليار دولار في 2023 إلى 4 مليارات دولار فقط في 2024، بنسبة تراجع بلغت 60.8%. كما انخفض عدد السفن العابرة للقناة من 26.4 ألف سفينة إلى 13.2 ألف سفينة، بنسبة تراجع وصلت إلى 50%.

وتعود أسباب هذا التراجع الحاد إلى هجمات الحوثيين على السفن التجارية في البحر الأحمر، والتي بدأت في نوفمبر 2023 على خلفية الحرب في غزة، مما دفع العديد من شركات الشحن العالمية إلى تغيير مساراتها والابتعاد عن قناة السويس، مفضلة الدوران حول رأس الرجاء الصالح رغم طول المسافة وارتفاع التكاليف.

وقد تباينت تقديرات حجم الخسائر التي تكبدتها مصر جراء هذه الأزمة، حيث صرح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بأن بلاده تتكبد خسائر شهرية تقدر بنحو 800 مليون دولار، فيما أعلن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أن إجمالي الخسائر بلغ نحو 6 مليارات دولار. أما هيئة قناة السويس فقدرت الخسائر بنحو 7 مليارات دولار خلال عام 2024.

قناة السويس تنتعش من جديد: عودة السفن العملاقة وخسائر بـ8 مليارات دولار

اتفاق وقف إطلاق النار وتحسن الأوضاع

شكل الاتفاق الأمريكي-الحوثي لوقف إطلاق النار، الذي أعلنت عنه سلطنة عمان في مايو 2025، نقطة تحول مهمة في مسار الأزمة. فقد وافق الطرفان على وقف الأعمال العدائية التي تهدد حركة الشحن في البحر الأحمر وباب المندب، مما أدى إلى تحسن تدريجي في الأوضاع الأمنية بالمنطقه.

وقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقف الغارات الأمريكية على الحوثيين بعد أن أبلغوا واشنطن بأنهم "لا يريدون القتال بعد الآن"، مؤكداً أنهم تعهدوا بعدم استهداف السفن مجدداً. وهو ما انعكس إيجاباً على حركة الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس، حيث بدأت السفن العملاقة تعود تدريجياً للعبور عبر القناة.

السياسات التحفيزية وعودة السفن العملاقة

استجابة للتحديات التي فرضتها أزمة البحر الأحمر، أطلقت هيئة قناة السويس حزمة من السياسات التحفيزية لاستعادة حركة الملاحة، كان أبرزها إصدار تخفيضات بنسبة 15% من رسوم عبور سفن الحاويات التي تتجاوز حمولتها الصافية 130 ألف طن، سواء كانت محملة أو فارغة، وذلك لمدة ثلاثة أشهر اعتباراً من 15 مايو 2025.

وقد أكد الفريق أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السويس، أن هذه التخفيضات تأتي "تلبية لمتطلبات العديد من العملاء من ملاك ومشغلي سفن الحاويات، وسعياً لتشجيع الخطوط الملاحية الكبرى على العودة للعبور من قناة السويس مرة أخرى، في ظل الظروف المواتية وما تشهده الأوضاع الأمنية في منطقة البحر الأحمر من استقرار وهدوء نسبي".

وبدأت هذه السياسات التحفيزية تؤتي ثمارها بالفعل، حيث شهدت قناة السويس في 18 يونيو 2025 عبور أول سفينة حاويات عملاقة قادمة من مضيق باب المندب منذ مارس 2024. وتمثلت هذه السفينة في "CMA CGM OSIRIS" التابعة للخط الملاحي الفرنسي CMA CGM، بحمولة إجمالية بلغت 154 ألف طن، والتي عبرت ضمن قافلة الجنوب قادمة من سنغافورة ومتجهة إلى ميناء الإسكندرية.

وتوالت بعد ذلك عودة السفن العملاقة للعبور، حيث شهدت القناة يوم الجمعة 20 يونيو 2025 عبور سفينة الحاويات العملاقة "CMA CGM JULES VERNE" ضمن قافلة الشمال، وسفينة الحاويات "CMA CGM ADONIS" ضمن قافلة الجنوب. وتصدرت السفينة "CMA CGM JULES VERNE" التي ترفع علم مالطا حركة الملاحة من اتجاه الشمال في رحلتها قادمة من مالطا ومتجهة إلى ميناء جدة، ويبلغ طول السفينة 396 متراً، وعرضها 53.6 متراً، وغاطسها 11.5 متراً، وحمولتها الكلية 180 ألف طن.

المزايا التنافسية لقناة السويس

أكد الفريق أسامة ربيع أن عودة سفن الحاويات العملاقة للعبور من قناة السويس تعد أمراً حتمياً نظراً لما تتمتع به القناة من "مزايا تنافسية عديدة تجعلها الممر الملاحي الأقصر والأسرع والأكثر أماناً واستدامة". وأشار إلى أن سفن الحاويات العملاقة تحظى بأهمية نسبية ضمن فئات سفن الأسطول البحري؛ لما تحققه من وفر في التكاليف التشغيلية، ودعم لاستقرار سلاسل الإمداد العالمية، وتعزيز للاستدامة البيئية.

وتتمتع قناة السويس بموقع استراتيجي فريد يربط بين الشرق والغرب، حيث تختصر المسافة بين آسيا وأوروبا بنحو أسبوعين مقارنة بطريق رأس الرجاء الصالح. كما تتميز بخدمات لوجستية متطورة وبنية تحتية حديثة، خاصة بعد افتتاح المجرى الملاحي الجديد للقناة في عام 2015، والذي يسمح بمرور السفن في الاتجاهين دون توقف، مما يقلل من زمن العبور ويزيد من كفاءة الخدمة.

التوقعات المستقبلية

توقع رئيس هيئة قناة السويس تحسن حركة الملاحة في البحر الأحمر بحلول سبتمبر 2025، على أن تعود إلى طبيعتها نهاية العام الجاري، وذلك استناداً إلى دراسات بحثية دقيقة[4]. كما أشار إلى أن الموقف الملاحي الراهن شهد تحسناً بنسبة 3% خلال مارس 2025، مقارنة بشهري يناير وفبراير من نفس العام.

وأكد الفريق ربيع أن المباحثات الأخيرة مع إدارة الخط الملاحي CMA CGM أثمرت عن اتفاق لعودة عدد من سفن الشركة لعبور القناة، معرباً عن ثقته في أن تتبع خطوط ملاحية أخرى نفس الخطوة خلال الفترة المقبلة. وأوضح أن شركتي إيفرجرين وميرسك العالميتين بدأتا بالفعل في وضع جداولهما الزمنية للعودة إلى الإبحار عبر القناة.

وفي ظل استمرار تحسن الأوضاع الأمنية في البحر الأحمر، وفعالية السياسات التحفيزية التي أطلقتها هيئة قناة السويس، يتوقع أن تشهد القناة عودة تدريجية لكامل نشاطها الملاحي خلال الأشهر القادمة، مما سيساهم في تعويض جزء من الخسائر التي تكبدتها خلال الفترة الماضية، وتعزيز دورها كشريان حيوي للتجارة العالمية.

المصادر:

  1. قناة السويس تبدأ جني الثمار بعد هدوء الأوضاع في البحر الأحمر

  2. قناة السويس تشهد عبور سفينة الحاويات العملاقة CMA CGM JULES VERNE ضمن قافلة الشمال بحمولة 180 ألف طن

  3. من باب المندب.. أول سفينة حاويات عملاقة تعبر قناة السويس بعد توقف 3 أشهر

الوسوم

قناة السويس | رسوم العبور | أزمة البحر الأحمر | سفن حاويات | السيسي

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

لبنان على حافة الانفجار: نهاية مهلة نزع سلاح "حزب الله" ومخاوف عام 2025

البحر الكاريبي يغلي: ترامب يفرض "حجراً صحياً" بحرياً على فنزويلا

طهران تتحدى تهديدات مارالاجو: قدراتنا خارج حدود الاحتواء وردنا سيفوق التصور