الرسوم الجمركية الأميركية تلهب أسعار الغذاء العالمية.. كيف تُعيد رسم خريطة الأمن الغذائي في 2025؟
![]() |
أزمة غذائية عالمية مع ارتفاع الأسعار وتأثير الرسوم الجمركية |
تشهد الأسواق العالمية للمواد الغذائية اضطرابات متزايدة في عام 2025، حيث وصل مؤشر أسعار الغذاء التابع لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو) إلى 130.1 نقطة في يوليو 2025، وهو أعلى مستوى منذ فبراير 2023. وتقف الرسوم الجمركية الجديدة التي فرضتها الولايات المتحدة في المقدمة كأحد العوامل الرئيسية المحركة لهذا الارتفاع، مهددة بإعادة تشكيل خريطة التجارة الغذائية العالمية وتفاقم التحديات الأمنية الغذائية للدول الفقيرة والناشئة.
الصورة الكبيرة: ارتفاع أسعار الغذاء العالمية
![]() |
مؤشر أسعار الغذاء العالمي (الفاو) من 2020 إلى يوليو 2025 |
يشهد مؤشر أسعار الغذاء العالمي تصاعداً ملحوظاً، حيث سجل ارتفاعاً بنسبة 7.6% مقارنةً بنفس الفترة من عام 2024. وجاء هذا الارتفاع نتيجة لأسباب متعددة، من بينها ارتفاع تكلفة اللحوم بنسبة 1.2%، وهو ما يمثل رقمًا قياسيًا جديدًا، بالإضافة إلى زيادة حادة في أسعار الزيوت النباتية بلغت 7.1%، مسجلةً أعلى مستوى لها خلال ثلاث سنوات. تحذر منظمة الأغذية والزراعة من أن تقلبات أسعار العملات قد لعبت دوراً في تحركات الأسعار عالمياً، في حين أن التغيرات في السياسات الجمركية زادت من حالة عدم اليقين في السوق، مما يعكس الدور الأساسي الذي تلعبه هذه السياسات، لا سيما الرسوم الجمركية، في التأثير على أسعار الغذاء على الصعيد العالمي.
التأثير المباشر للرسوم الجمركية على تكاليف الإنتاج
الأسمدة: أساس الأزمة
تمثل الأسمدة أحد أكثر القطاعات تضرراً من الرسوم الجمركية الجديدة. معظم الأسمدة التي يستخدمها المزارعون الأمريكيون مستوردة، وتشير التقارير إلى أن هذه الأسمدة ستظل خاضعة لرسوم جمركية بنسبة 10%، بينما ستُفرض رسوم جمركية تصل إلى 30% على الأسمدة القادمة من ترينيداد وتوباغو وعدد من دول الشرق الأوسط.
النتيجة المباشرة كانت انخفاضاً كبيراً في شحنات الفوسفات إلى الأسواق الأمريكية، حيث تتبع هذه الشحنات مستويات "أقل بكثير من العام الماضي". شركة موزاييك، إحدى أكبر منتجي الأسمدة في العالم، سجلت خسائر بقيمة 8 مليون دولار في قطاع الفوسفات خلال الربع الثاني من 2025.
الآلات الزراعية والمعدات
لا تقتصر التأثيرات على الأسمدة فحسب، بل تمتد إلى الآلات والمعدات المستخدمة في تصنيع وتغليف الأغذية. الرسوم الجمركية على الدول المُصدّرة للصلب والألمنيوم ترفع تكاليف أشياء مثل الجرارات والأسوار وصناديق الحبوب. هذا يعني أن تكاليف رؤوس الأموال للمزارعين والأعمال الزراعية قد ارتفعت بنسبة 12-18% وفقاً لاتحاد المزارع الأمريكي.
![]() |
تأثير الرسوم الجمركية على فئات الغذاء المختلفة |
| البند | قبل الرسوم | بعد الرسوم | نسبة الزيادة |
|---|---|---|---|
| مؤشر أسعار الغذاء العالمي (فاو) | 117 نقطة | 124 نقطة | +6% |
| متوسط سعر القمح (للطن) | 280 دولار | 310 دولار | +10.7% |
| متوسط سعر الزيوت النباتية | 950 دولار | 1050 دولار | +10.5% |
| تعريفة الاستيراد على السلع الغذائية | 5% | 15% | +200% |
التأثيرات متعددة الطبقات على أسعار المستهلكين
الانتقال المباشر للتكاليف
يؤكد الخبراء أن الرسوم الجمركية تُعد بمثابة "ضريبة إضافية" تتحملها في البداية الشركات المستوردة، لكنها غالباً ما تنتقل بالكامل أو بنسبة كبيرة إلى المستهلك النهائي. وتشير التقديرات إلى أن أسعار الغذاء قد ترتفع بنسبة 3.4% في المدى القصير وتبقى مرتفعة بنسبة 2.9% على المدى الطويل.
تكلفة النظام الغذائي الصحي
تُظهر الأبحاث أن حوالي 75% من واردات الغذاء الأمريكية ستتأثر بهذه الرسوم، خاصة سلع مثل المشروبات الكحولية والمخبوزات والقهوة والمأكولات البحرية والبيرة. هذا التنوع الواسع في السلع المتأثرة يعني أن تكلفة الحصول على نظام غذائي متنوع وصحي ستزداد بشكل ملحوظ.
التداعيات على الأمن الغذائي العالمي
التأثير على الدول النامية
تواجه حوالي 80% من سكان العالم الذين يعيشون في بلدان تفوق فيها الواردات الغذائية الصادرات خطر اضطرابات إمدادات الغذاء. الدول النامية تتحمل العبء الأكبر من هذا التأثير لأنها أكثر عرضة للتقلبات في أسعار الغذاء، وقد لا تمتلك الأدوات الكافية لمواجهة هذه الأزمات.
ارتفاع أسعار الذرة بنسبة 7% بين 2 أبريل ("يوم التحرير" لترامب) و11 أبريل من المرجح أن يؤدي إلى ارتفاع مماثل في أسعار الذرة المحلية في أماكن مثل أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. هذه المنطقة موطن للعديد من أفقر الناس في العالم، حيث مئات الملايين من الأسر تكسب أقل من خط الفقر البالغ 2.15 دولار يومياً.
إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية
تؤدي الرسوم الجمركية إلى تغيّر في مصادر التوريد، إذ تضطر الدول إلى اللجوء لمصادر بديلة، غالباً ما تكون أعلى تكلفة. هذا التحول يخلق فرصاً لدول أخرى مثل البرازيل والاتحاد الأوروبي للاستفادة من تقليص الحصة الأمريكية، لكنه في نفس الوقت يصعّب على الولايات المتحدة استعادة نفوذها السابق في الأسواق.
دراسة حالة: الحرب التجارية مع الصين
تُعدّ الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين (2018-2020) خلال ولاية ترامب الأولى مثالاً واضحاً على هذا الضعف. أدت الرسوم الجمركية الانتقامية على فول الصويا الأمريكي إلى انخفاض حاد في الصادرات وخسائر تُقدّر بنحو 27 مليار دولار للقطاع الزراعي الأمريكي. في المقابل، لجأ كبار المستوردين، مثل الصين، إلى الموردين الأفارقة، مما تسبب في نقص المعروض وزيادة الأسعار على السكان المحليين.
الآثار على قطاعات محددة
صناعة الألبان واللحوم
تشهد أسعار منتجات الألبان ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.8%، بينما وصلت أسعار اللحوم إلى مستوى قياسي جديد. هذا الارتفاع مدفوع بشكل أساسي بـزيادة الطلب من الصين والولايات المتحدة على لحوم الأبقار والأغنام.
الزيوت النباتية
شهدت أسعار الزيوت النباتية قفزة حادة بنسبة 7.1% لتصل إلى أعلى مستوى في ثلاث سنوات، وذلك بسبب ارتفاع أسعار زيوت النخيل والصويا ودوّار الشمس. هذا الارتفاع يُعزى إلى زيادة الطلب العالمي وتحسن تنافسية الأسعار، إضافةً إلى تقلص الإمدادات من منطقة البحر الأسود.
استراتيجيات التكيف والحلول البديلة
تنويع مصادر التوريد
تسعى الدول والشركات إلى تنويع مصادر التوريد للتقليل من التعرض لصدمات الأسعار. هذا التنويع يشمل الاستثمار في الإنتاج المحلي وتطوير شراكات جديدة مع موردين من مناطق مختلفة.
الاستثمار في التكنولوجيا الزراعية
مع ارتفاع تكاليف المدخلات، تزداد أهمية الاستثمار في التكنولوجيا الزراعية المتقدمة لتحسين الكفاءة وتقليل الاعتماد على المدخلات المكلفة. لكن حتى هذا القطاع يواجه تحديات، حيث أن ارتفاع تكاليف الآلات والأسمدة والبذور بسبب الرسوم يمكن أن يقلل من معدلات تبني التكنولوجيا الزراعية المتقدمة في الولايات المتحدة.
التداعيات طويلة المدى
إعادة هيكلة التجارة العالمية
تشير النمذجة الاقتصادية إلى أن الرسوم الجمركية يمكن أن تؤدي إلى انكماش في التجارة الزراعية العالمية بنسبة 3.3%-4.7% وانخفاض في الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 0.3%-0.4%، مع انخفاض أكبر في الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي بنسبة 1%-1.2%.
تعميق التجارة جنوب-جنوب
من المتوقع أن تؤدي هذه التطورات إلى تعميق التجارة جنوب-جنوب، حيث تعزز الصين علاقاتها التجارية مع دول أمريكا اللاتينية، مما يعيد تشكيل سلاسل الإمداد الزراعية العالمية.
رؤى الخبراء والتوقعات المستقبلية
يحذر رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets، جو يرق، من أن "الرسوم الجمركية التي فرضتها الولايات المتحدة سيكون لها تأثير مباشر وغير مباشر على أسعار الغذاء عالمياً". حتى لو لم تكن هذه الرسوم موجهة بشكل صريح للقطاع الغذائي، إلا أنها ستطال سلاسل الإمداد والتكاليف المرتبطة بهذا القطاع، ما سيؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار والضبابية.
ويؤكد الخبير الاقتصادي محمد سعيد أن "أي اضطراب في تكاليف الغذاء الأميركي ينعكس على سلاسل الإمداد العالمية، ويؤدي إلى موجات من إعادة التوزيع والبحث عن بدائل"، مضيفاً أن "غالباً ما تكون الدول الأفقر أو الفئات الاجتماعية الأضعف هي أول من يدفع الثمن، وتواجه صدمات معيشية قاسية بسبب هذه الزيادات".
الخلاصة والتوجهات المستقبلية
تشكل الرسوم الجمركية تهديداً حقيقياً لاستقرار أسعار الغذاء العالمية، وتضع ضغوطاً إضافية على الأمن الغذائي للمليارات حول العالم. مع وصول 343 مليون شخص في 74 دولة إلى مستويات انعدام الأمن الغذائي الحاد، تصبح هذه السياسات التجارية عاملاً مضاعفاً للأزمة الإنسانية.التحدي الأكبر يكمن في أن استمرار الرسوم الجمركية بهذا الشكل قد يؤدي إلى تغيرات هيكلية في السوق العالمية، وقد تزداد الضغوط التضخمية المرتبطة بالغذاء، خصوصاً أن هذه الزيادات تتراكم فوق أزمات قائمة مثل نقص الإنتاج أو تغيرات الطقس أو التوترات الجيوسياسية.
في النهاية، تتطلب مواجهة هذه التحديات تعاوناً دولياً أوسع وسياسات متوازنة تأخذ في الاعتبار التداعيات الإنسانية والاقتصادية لقرارات التجارة الدولية، خاصة في قطاع حيوي مثل الغذاء الذي يمس حياة مليارات البشر يومياً.
المصادر الرئيسية:
- تقرير منظمة الأغذية والزراعة عن مؤشر أسعار الغذاء يوليو 2025
- تحليل الإيكونومست حول تأثير الرسوم الجمركية على الأمن الغذائي العالمي
- دراسة معهد السياسات الغذائية الدولية حول الرسوم الانتقامية
الوسوم
أسعار الغذاء | الرسوم الجمركية | الأمن الغذائي | مؤشر الفاو | سلاسل الإمداد

.jpg)
.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار