عصر تخفيض العملات: هل تدفع ديون العالم الكبرى نحو دوامة مالية خطيرة؟
المقدمة: جبال الديون وأسعار الفائدة.. اشتعال الفتيل
في عالم تغلب عليه الديون بمستويات غير مسبوقة، تجاوزت ديون سبع اقتصادات كبرى (كندا، فرنسا، إيطاليا، اليابان، إسبانيا، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة) 100% من ناتجها المحلي الإجمالي وفق صندوق النقد الدولي . هذه الدول، التي زادت ديونها بشكل حاد خلال الأزمات العالمية الأخيرة، تواجه الآن تحدياً وجودياً: ارتفاع أسعار الفائدة إلى مستويات قياسية منذ عقود، مما يجعل تمويل ديونها أكثر هشاشة من أي وقت مضى . في هذا السياق، يبرز تخفيض قيمة العملات كآلية متوقعة لمواجهة الضغط، لكنها تحمل في طياتها مخاطر "دومينو" قد تعيد العالم إلى أزمات شبيهة بتلك التي شهدتها آسيا وروسيا في التسعينيات.
1. واقع الديون: أرقام صادمة وهياكل هشة
- دين عالمي غير مسبوق: تجاوز إجمالي الديون العالمية 324 تريليون دولار في الربع الأول من 2025، بزيادة 7.5 تريليون دولار عن الفصل السابق وحده .
- دول تتجاوز نقطة الخطر:
- اليابان: الدين 234.9% من الناتج المحلي (الأعلى عالمياً).
- الولايات المتحدة: 125.9% من الناتج، بدين يتجاوز 36 تريليون دولار .
- فرنسا وإيطاليا: 123.9% و136.7% على التوالي .
- تحدي التمويل: ارتفعت عوائد السندات الحكومية بمئات النقاط الأساسية خلال 3 سنوات. على سبيل المثال، تقترب عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عاماً من 5%، وهي الأعلى منذ أكثر من عقد .
2. تخفيض العملة: السلاح ذو الحدين
تخفيض قيمة العملة (Devaluation) هو إجراء تتخذه الحكومات لخفض السعر الرسمي لعملتها مقابل العملات الأجنبية، بهدف:
- تحفيز الصادرات: جعل السلع المحلية أرخص عالمياً .
- تخفيف عبء الدين: عبر زيادة التضخم وضخ العملات في السوق، مما يقلل القيمة الحقيقية للديون المُقومة بالعملة المحلية .
إيجابيات محتملة:
- تحسين الميزان التجاري عبر زيادة الصادرات.
- تنشيط النمو الاقتصادي خلال فترات الركود .
مخاطر جسيمة:
- التضخم الجامح: ارتفاع تكلفة الواردات (مثل المواد الخام والطاقة)، مما يرفع الأسعار المحلية ويُضعف القوة الشرائية للمواطنين.
- هروب رؤوس الأموال: بيع المستثمرين الأجانب للأصول المرتبطة بالعملة المُخفضة.
- زيادة أعباء الديون الأجنبية: إذا كانت الديون مُقومة بعملات أجنبية .
التجارب التاريخية:
- بريطانيا 1992: خفض الجنيه الإسترليني بعد الهجوم المضارب بقيادة جورج سوروس، مما تسبب بخسائر فورية بلغت 3.4 مليار جنيه، لكنه مهد لتعافٍ اقتصادي لاحق .
- روسيا 2014: انهيار الروبل بنسبة 50% بسبب انخفاض أسعار النفط والعقوبات الغربية، مما أدى إلى تضخم 9% وركود مؤلم .
3. سيناريو "دومينو العملات": لماذا الكل قد يخسر؟
يشبه الخبراء السيناريو المحتمل بـ "قطع الدومينو" للأسباب التالية:
- نموذج "إفقار الجار" (Beggar-Thy-Neighbor): عندما تخفض دولة ما عملتها، تضطر دول أخرى لاتباع نفس السياسة خوفاً من فقدان القدرة التنافسية، مما يُشعل حرب عملات عالمية .
- تأثير الصين المحوري: إذا قررت الصين خفض قيمة اليوان بنسبة 15–30% رداً على الرسوم الجمركية الأمريكية (التي تصل إلى 125%)، قد يؤدي ذلك إلى:
- إغراق الأسواق بسلع صينية رخيصة.
- دفع دول مثل فيتنام وإندونيسيا لخفض عملاتها للحفاظ على حصصها التصديرية .
- انهيار الثقة في الأسواق: تحول المستثمرين من السندات الحكومية إلى سندات الشركات أو الملاذات الآمنة كالذهب والبيتكوين، مما يرفع تكاليف الاقتراض للحكومات .
4. عوامل تحدد نجاح أو فشل التخفيض
- هيكل الاقتصاد: الاقتصادات المعتمدة على التصدير (مثل ألمانيا) تستفيد أكثر من التخفيض مقارنة بالمعتمدة على الاستهلاك المحلي .
- المرونة المالية: اليابان رغم ديونها الضخمة (234.9% من الناتج)، تتميز بأن 93.5% من ديونها مملوكة لمستثمرين محليين، مما يقلل مخاطر هروب رؤوس الأموال .
- التوقيت: التخفيض أثناء الركود قد ينعش النمو، لكنه في أوقات الازدهار قد يزيد التضخم .
5. المستقبل: بين التصحيح المالي وحافة الهاوية
يحذر صندوق النقد الدولي من أن آفاق الدين العام "أسوأ مما تبدو"، وقد يرتفع إلى 115% من الناتج المحلي العالمي في غضون 3 سنوات إذا تفاقمت الضغوط . الحلول المقترحة تشمل:
- التصحيح المالي المدروس: عبر مزيج من زيادة الإيرادات الضريبية وحماية الاستثمار العام، مع تجنب الإجراءات المفاجئة التي تضر بالنمو.
- تعزيز الشفافية: مراقبة ديون المؤسسات المملوكة للدولة التي تشكل 40% من الديون غير المحددة .
- تجنب العزلة: إذا اندلعت حرب عملات، قد تخسر الصين 1.7% من نموها السنوي، وتدخل الأسواق الناشئة في أزمات متزامنة .
تحذير من "فورين بوليسي":
"الأزمة الحالية أكثر تعقيداً من أزمات التسعينيات، خاصة في منطقة اليورو حيث قد تضطر فرنسا وإيطاليا لطلب حزم إنقاذ تتجاوز تريليونات الدولارات، مما يرفع أسعار الفائدة عالمياً" .
الخاتمة: هل نتعلم من التاريخ أم نكرر أخطاءه؟
الدرس الأكبر من التاريخ الاقتصادي هو أن تخفيض العملة ليس حلاً سحرياً. فبينما قد يكون أداة فعالة في ظروف محددة (كالمملكة المتحدة 1992)، إلا أن إساءة استخدامه تزيد المخاطر (كرومانيا 2014). اليوم، مع تشابك الاقتصادات العالمية وتعقد ديونها، قد تكون أي خطوة غير محسومة كافية لإشعال فتيل الأزمة. السؤال المركزي الآن: هل ستلجأ الدول الكبرى إلى التخفيض كـ "مخدر" مؤقت، أم تبدأ الإصلاحات الهيكلية التي تستهدف جذور المشكلة؟ الإجابة قد تحدد مصير النظام المالي العالمي لعقد قادم.
المصادر
- ديون الاقتصادات الكبرى تتجاوز الناتج المحلي.. هل يبدأ عصر تخفيض العملات؟ - الوطن
- الديون العالمية عند قمة غير مسبوقة بأكثر من 324 تريليون دولار - الجزيرة نت
- هل ستختفي العملات النقدية في المستقبل؟ - الجزيرة نت
الوسوم
الاقتصاد العالمي | انهيار العملات | أزمة الديون | التضخم | سعر الصرف

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار