سعر الدولار مقابل الجنيه المصري.. بين توقعات الاستقرار وتحديات الاقتصاد

--

توقعات سعر الصرف في مصر: تحليل متعمق لمسارات الجنيه أمام الدولار في 2025

سعر الدولار مقابل الجنيه المصري.. بين توقعات الاستقرار وتحديات الاقتصاد

مقدمة: مشهد متقلب يبحث عن الاستقرار

شهد الجنيه المصري تقلبات حادة في السنوات الأخيرة، حيث انخفض من أقل من 20 جنيهًا للدولار في عام 2022 إلى أكثر من 50 جنيهًا للدولار بحلول عام 2025. ومع ذلك، تشير التوقعات الحالية إلى إمكانية تحقيق قدر من الاستقرار النسبي خلال الفترة القادمة، وإن ضمن نطاق تداول واسع يعكس حالة عدم اليقين التي يواجهها الاقتصاد العالمي والتحديات المحلية.

توقعات فيتش سوليوشنز: نطاق تداول واسع وختام عند 52.50 جنيه

توقعت مؤسسة فيتش سوليوشنز - التابعة لوكالة فيتش العالمية - أن يتراوح سعر صرف الجنيه المصري مقابل الدولار بين 50 و55 جنيهًا للدولار خلال العام الحالي 2025، مع توقع أن يختتم العام عند مستوى 52.50 جنيه للدولار. ويعكس هذا النطاق الواسع حالة عدم اليقين السائدة التي تواجه الاقتصاد العالمي والتحديات المحلية التي تؤثر على قيمة العملة المصرية.

وجاء في تقرير للمؤسسة أن "تحركات سعر صرف الدولار مقابل الجنيه في الوقت الراهن علامة جيدة تعكس الضغوط الراهنة، بما يؤكد على نهج مصر باتباع سعر صرف مرن"، معربة عن اعتقادها أن الجنيه سيعود للتحسن مجددًا بعد تراجع الضغوط على طلب العملة.

تحسن مفاجئ.. إقبال أجنبي على أذون الخزانة

شهد الجنيه المصري ارتفاعًا مفاجئًا خلال الشهرين الماضيين، حيث وصل إلى أعلى مستوى له منذ عام عند نحو 48.45 جنيه للشراء و48.55 جنيه للبيع. ويعزى هذا التحسن إلى الإقبال الكبير من المستثمرين الأجانب على شراء أذون الخزانة المحلية، مما وفر تدفقات دولارية داعمة للعملة المحلية.

وتشير التقارير إلى أن استثمارات المحافظ الاستثمارية في مصر حافظت على مرونتها حتى خلال الحرب التي استمرت 12 يومًا بين إسرائيل وإيران، والتي كان من الممكن أن تدفع المستثمرين إلى التخلي عن أصول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وترجع فيتش هذه المرونة إلى "قدرة المستثمرين على التخارج من مراكزهم وإعادة الأموال، والضعف الوجيز في قيمة العملة استجابة لهروب رؤوس الأموال، مما أشار إلى التزام مصر بسعر صرف أكثر مرونة".

تباطؤ التضخم.. بوابة لمرحلة جديدة

من العوامل الإيجابية التي قد تدعم استقرار العملة، التراجع الملحوظ في معدل التضخم بعد سنوات من الارتفاع الشديد. وتتوقع فيتش سوليوشنز أن يتراجع معدل التضخم إلى 15.3% في 2025، منخفضًا من 28.3% في عام 2024، وذلك بعد أن ارتفع التضخم بشكل حاد بين عامي 2022 و2024 بسبب انخفاض قيمة العملة وتحديات العرض.

ويأتي هذا التوقع متوافقًا مع البيانات الرسمية التي أظهرت تراجع معدل التضخم السنوي على مستوى مدن مصر للشهر الثاني على التوالي إلى 13.9% في يوليو من 14.9% في يونيو، وفقًا لبيان الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. ويستهدف البنك المركزي المصري الوصول بمعدل التضخم إلى رقم إحادي بين 5% و9% بنهاية الربع الرابع من 2026.

سياسات نقدية.. بين مكافحة التضخم ودعم النمو

أشارت فيتش سوليوشنز إلى أن تباطؤ معدل التضخم سيتيح للبنك المركزي المصري مجالاً واسعًا لخفض سعر الفائدة الحقيقي بهدف دعم نمو الاقتصاد. وتتوقع المؤسسة أن يخفض البنك المركزي سعر الفائدة بنسبة 12% خلال العام المقبل ليصل سعر الفائدة إلى 15.25% للإيداع و16.25% للإقراض، من 27.25% و28.25% على التوالي حاليًا.

ويأتي هذا في إطار جهود إنعاش الاقتصاد، حيث تهدف هذه السياسة النقدية التوسعية إلى تحفيز النمو وتقليل تكاليف الاقتراض، لكن نجاحها يعتمد على القدرة على احتواء التضخم ومنع أي موجة دولارية جديدة قد تضعف قيمة الجنيه.

رسم بياني يوضح تطور أسعار الفائدة والتضخم في مصر:

جدول يوضح تطور أسعار الفائدة والتضخم في مصرالمصدر الأرقام من نص المقال

الفترة سعر فائدة الإيداع سعر فائدة الإقراض معدل التضخم
نهاية 2024 27.25% 28.25% 28.3%
متوقع 2025 15.25% 16.25% 15.3%
المستهدف 2026 5–9%

عوامل ضغط.. بين التزامات خارجية ودولار قوي

رغم التوقعات الإيجابية، لا تزال هناك عوامل ضغط على الجنيه المصري. تشير فيتش سوليوشنز إلى أن زيادة الالتزامات الخارجية المستحقة على مصر وقوة الدولار الأمريكي من العوامل المؤثرة التي قد تدفع بسعر الصرف نحو النطاق الأعلى المتوقع (55 جنيهًا).

وواجهت مصر في ديسمبر 2024 ضغوطًا بسبب زيادة الالتزامات بنحو 14 مليار دولار، منها قروض تم سدادها وأخرى تم تجديدها، مما زاد من حدة الضغوط على صرف الجنيه مقابل الدولار. كما شهد ديسمبر استحقاقات ضخمة للمستثمرين الأجانب في أذون الخزانة قصيرة الأجل (3 و9 أشهر)، بجانب سداد التزامات خارجية على مصر حان وقت أجلها، تزامن ذلك مع زيادة فاتورة الاستيراد لسلع رمضان.

سياق إقليمي ودولي.. وتأثيره على الجنيه

يؤثر المشهد الدولي بشكل كبير على أداء العملات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، شاملا الجنيه المصري. وتشير تقارير إلى أن تقلبات الدولار الأمريكي وتحولات معنويات المستثمرين هي العوامل الرئيسية التي تشكل أداء العملات في المنطقة خلال الفترة المتبقية من عام 2025.

وأدى ضعف الدولار الأمريكي حتى الآن هذا العام إلى ارتفاع قيمة عملات المنطقة الأكثر مرونة. وبالنظر إلى المستقبل، تتوقع التقارير أن يستمر انخفاض طفيف في قيمة الدولار وانخفاض حالة عدم اليقين بشأن السياسات التجارية في دعم أسعار صرف عملات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مقابل الدولار الأمريكي.

تدفقات الاستثمار الأجنبي.. بين الفرص والمخاطر

تمثل الاستثمارات الأجنبية عاملاً حاسمًا في استقرار سعر الصرف. تشير التوقعات إلى زيادة إقبال المستثمرين على أدوات الدين المصرية طويلة الأجل مع قرب خفض البنك المركزي للفائدة، من خلال إعادة تدوير الاستحقاقات في أذون الخزانة قصيرة الأجل في سندات الخزانة متوسطة الأجل.

ومؤخرًا، زاد إقبال المستثمرين المحليين والأجانب على الاستثمار في سندات الخزانة متوسطة الأجل للاستفادة من عائدها المرتفع قبل خفض البنك المركزي للفائدة العام المقبل. وهذا الاتجاه الإيجابي قد يدعم استقرار العملة ويوفر تدفقات دولارية إضافية.

توقعات النمو الاقتصادي.. أساس الاستقرار الطويل

تتوقع فيتش سوليوشنز نمو الاقتصاد المصري إلى 3.9% خلال العام المالي 2024-2025، مقارنة بـ2.4% في العام السابق، مدعومًا بتحسن الظروف الاقتصادية وزيادة الاستهلاك.

كما تتوقع المؤسسة أن يسجل الاقتصاد المصري معدل نمو يبلغ 3.9% خلال 2025، مقابل 2.4% فقط في العام المالي السابق، مدفوعًا بتحسن الإنفاق الاستهلاكي وعودة النشاط الاقتصادي التدريجي. ويرتبط تحقيق هذا النمو بشكل وثيق بقدرة الاقتصاد على اجتذاب الاستثمارات وتوفير مصادر مستدامة للنقد الأجنبي.

طريق الإصلاح.. تحديات واعدة

لا تزال برامج الإصلاح التي تنفذها السلطات المصرية بدعم من صندوق النقد الدولي تمثل عاملاً حاسمًا في استقرار العملة على المدى المتوسط. تهدف هذه الإصلاحات إلى تحقيق الاستقرار في الاقتصاد الكلي من خلال خفض الدعم، واحتواء فاتورة أجور القطاع العام، وزيادة الإيرادات الضريبية.

وتشير تقديرات فيتش إلى تراجع الدين الحكومي لمصر إلى 50.2% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2033/2034، ما يعكس فعالية الإصلاحات الجارية. كما أن نمو الإيرادات العامة بوتيرة أسرع من المصروفات يسهم في خفض عجز الموازنة المصرية إلى 1.6% من الناتج المحلي الإجمالي وفقًا لتقديرات فيتش.

مخاطر متبقية.. وحساسية للصدمات الخارجية

رغم الصورة المتفائلة بحذر، لا يزال الجنيه المصري عرضة للمخاطر، خاصة في ظل احتمالية تجدد التوترات التجارية العالمية أو التصعيد الجيوسياسي. وحذرت التقارير من أن أي تجدد للتوترات المتعلقة بالتعريفات الجمركية قد يؤدي إلى المزيد من هروب رؤوس الأموال ويزيد من الضغوط الهبوطية على العملة.

وقد خرج من مصر حوالي 2.1 مليار دولار بعد الإعلان عن التعريفات الأمريكية الأخيرة، مما أدى في البداية إلى انخفاض سعر الجنيه إلى 51.68 جنيه مصري/دولار أمريكي في 9 أبريل. لكن التدفقات عاودت الانتعاش خاصة بعد توقف التعريفات لمدة 90 يومًا وتهدئة الأسواق من خلال اتفاقيات التجارة بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والولايات المتحدة والصين.

خلاصة وتوقعات: بين التفاؤل والحذر

في الختام، تشير التوقعات إلى أن الجنيه المصري سيواجه عام 2025 بتقلبات ضمن نطاق واسع (50-55 جنيهًا للدولار)، مع احتمالية للاستقرار التدريجي عند حوالي 52.50 جنيه بنهاية العام. ويعتمد هذا المسار على عدة عوامل، أبرزها:

  • نجاح البنك المركزي في إدارة السياسة النقدية بين خفض الفائدة ودعم العملة
  • استمرار تدفقات الاستثمار الأجنبي إلى أدوات الدين الحكومي
  • تحسن المؤشرات الاقتصادية الأساسية (التضخم، النمو، المالية العامة)
  • استقرار البيئة الجيوسياسية والإقليمية

ورغم التحديات، فإن الإصلاحات الجارية والدعم الدولي يعززان الآفاق المتوسطة للأداء الاقتصادي واستقرار سعر الصرف، ما يبشر بإمكانية خروج الاقتصاد المصري من دائرة التذبذب التي عانى منها في السنوات الأخيرة.


المصادر:

  1. فيتش سوليوشنز تتوقع سعر صرف الدولار بين 50 و55 جنيها خلال 2025 لهذه الأسباب
  2. تفاؤل بقوة الاقتصاد المصري.. BMI التابعة لـFitch تتوقع استقرار الجنيه أمام الدولار بنهاية عام 2025
  3. سعر الدولار اليوم مقابل الجنيه المصري الخميس 23 يناير 2025

الوسوم

سعر الصرف | الجنيه المصري | الدولار | التضخم | الفائدة

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

لبنان على حافة الانفجار: نهاية مهلة نزع سلاح "حزب الله" ومخاوف عام 2025

البحر الكاريبي يغلي: ترامب يفرض "حجراً صحياً" بحرياً على فنزويلا

طهران تتحدى تهديدات مارالاجو: قدراتنا خارج حدود الاحتواء وردنا سيفوق التصور