ترامب يهدم النظام العالمي.. تحولات لا رجعة فيها في السياسة والاقتصاد والأمن
في مشهد سياسي لم يشهد العالم مثله منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تشير تحليلات الخبراء وصناع القرار إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أحدث تحولات جذرية في النظام العالمي ستستمر آثارها لعقود قادمة. فما طبيعة هذه التغييرات؟ وكيف يعيد ترامب تشكيل العالم وفق رؤيته؟
ضربة قاضية لترتيبات ما بعد الحرب
كشفت صحيفة "بوليتيكو" في تقرير حديث أن إدارة ترامب وجهت "ضربة قوية لمعظم التوافقات التي ترسخت بعد الحرب العالمية الثانية"، خاصة في مجالات التجارة الحرة والتعاون العسكري طويل الأمد. وجاء هذا الاستنتاج بناء على مناقشات جرت في منتدى أسبن الأمني بمشاركة مسؤولين أمريكيين وأجانب حاليين وسابقين، إلى جانب قادة شركات ومحللين .
وأوضحت الصحيفة أنه خلال الولاية الرئاسية الأولى لترامب، كانت النخب السياسية تعتقد أنها قادرة على التأثير في سياساته، وأن ما فرضه من تغييرات مؤقت وقابل للزوال. لكن الواقع اليوم يشير إلى أن التغييرات أصبحت عميقة وجذرية، لدرجة أن كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، دعت إلى الاعتراف بأن العالم "لن يعود على الأرجح إلى ما كان عليه" قبل هذه التغييرات .
جدول يوضح أبرز التحولات في النظام العالمي تحت إدارة ترامب:
| المجال | الوضع السابق | التحول الحالي |
|---|---|---|
| التجارة الدولية | نظام التبادل الحر متعدد الأطراف | سياسات حمائية وحروب تجارية |
| التحالفات العسكرية | التزام أمريكي ثابت بحلف الناتو | شروط متغيرة وتهديد بالانسحاب |
| العلاقات مع الخصوم | سياسات احتواء وعزل | تقارب مع روسيا والصين |
| الأمن الأوروبي | ضمانات أمنية أمريكية | زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي |
| النظام المالي | هيمنة الدولار الأمريكي | محاولات أوروبية لتعزيز اليورو |
نظرية "الرجل المجنون".. استراتيجية متعمدة

يتبنى ترامب ما يعرف في العلاقات الدولية باسم "نظرية الرجل المجنون"، وهي استراتيجية تهدف إلى إقناع الخصوم بأن القائد قادر على فعل أي شيء وفقاً لحالته المزاجية المتقلبة، لانتزاع تنازلات منهم. وقد نجح ترامب في توظيف هذه الاستراتيجية سياسياً، حيث جعل من عدم قابليته للتنبؤ رصيداً استراتيجياً .
وقد ظهرت آثار هذه الاستراتيجية بوضوح في علاقة ترامب بحلف الناتو، حيث نجح في دفع الأعضاء الأوروبيين إلى زيادة إنفاقهم الدفاعي من 2.3% إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي زيادة هائلة لم يشهدها الحلف منذ تأسيسه . وقال وزير الدفاع البريطاني السابق بن والاس: "أعتقد أن المادة الخامسة (من ميثاق الناتو) على وشك الانهيار"، في إشارة إلى المادة التي تلزم كل عضو بالدفاع عن الأعضاء الآخرين .
يوضح الرسم مدى الزيادة في الإنفاق الدفاعي بعد ضغوط ترامب على حلفائه في الناتو
"ما فعله ترامب هو إثارة شكوك وتساؤلات جديّة حول مصداقية التزامات أمريكا الدولية. مهما كانت التفاهمات التي تربط دول أوروبا مع الولايات المتحدة، فإنها أصبحت الآن موضع تفاوض في أي لحظة" - بيتر تروبويتز، أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد
أوروبا بين القلق والفرص الاقتصادية
وسط هذه التحولات، وجدت أوروبا نفسها في موقف صعب. من ناحية، يهدد التراجع الأمريكي عن التزاماتها الأمنية الأوضاع في القارة. ومن ناحية أخرى، ترى بعض القوى الأوروبية في "فوضى ترامب" فرصة اقتصادية لتعزيز مكانة اليورو كنظام مالي بديل .
وقد حثت كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، القادة الأوروبيين على الإسراع في إنشاء سوق مالية موحدة، لجذب المستثمرين الباحثين عن بدائل للنظام المالي الأمريكي. وقالت لاغارد في اجتماع لقادة الاتحاد الأوروبي: "توقفوا عن إضاعة الوقت، الآن هو الوقت المناسب للتحرك" .
لكن التحديات أمام صعود اليورو لا تزال كبيرة، حيث لا يزال النظام المالي الأوروبي "مُجزأ إلى 27 قطاعاً وطنياً مُختلفاً"، كما أن حجم وعمق سوق الديون الأمريكية (28.6 تريليون دولار) يمثل تحدياً رئيسياً أمام أي منافس .
نحو نظام عالمي جديد.. "يالطا القرن الحادي والعشرين"
_(B&W).jpg)
تشير تحليلات الخبراء إلى أن ترامب يعمل على إعادة هندسة النظام العالمي عبر توازن قوى جديد يرتكز على ثلاثة أقطاب: أمريكا وروسيا والصين. وقد وصف أليكس يونغر، رئيس الاستخبارات البريطانية السابق، سياسة ترامب بأنها تشبه مؤتمر "يالطا" الذي عقد عام 1945 لتحديد مصير أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية .
وفي هذا الإطار، يسعى ترامب إلى تقاسم النفوذ الجيوسياسي بين القوى العظمى الثلاث، حيث تفرض كل منها هيمنتها على مجالها الحيوي. ففي حين تعمل الولايات المتحدة على توسيع نفوذها في النصف الغربي من الكرة الأرضية، تعترف بنفوذ روسيا في مجالها الحيوي الذي يشمل أوروبا الشرقية والبلقان والقوقاز .
وتظهر هذه الإستراتيجية بوضوح في التعامل مع الأزمة الأوكرانية، حيث يميل ترامب إلى الاعتراف بالسيادة الروسية على شبه جزيرة القرم والأقاليم الشرقية لأوكرانيا، مقابل الحصول على حق استثمار الثروات المعدنية في المنطقة .
الصين.. شريك اقتصادي وخصم استراتيجي
في تعامله مع الصين، يتبع ترامب سياسة ثنائية: من ناحية يسعى إلى تحقيق مكاسب اقتصادية عبر التعاون، ومن ناحية أخرى يعتبرها "منافساً استراتيجياً" خطيراً. وقد ظهر هذا التناقض في تصريحات ترامب التي أشاد فيها بالرئيس الصيني شي جين بينغ ووصفه بأنه "عبقري" و**"خطير"** .
وخلال فترة ولايته الأولى، فرض ترامب رسوماً جمركية على الواردات الصينية، مما دفع بكين إلى الرد بالمثل. ورغم الجهود لتهدئة هذا النزاع، إلا أن تفشي فيروس كورونا قضى على هذه المحاولات، وساءت العلاقات بعد أن وصف ترامب الفيروس بأنه "فيروس صيني" .
تحديات ومخاطر التحول العالمي
يواجه التحول الذي يقوده ترامب عدة تحديات ومخاطر:
-
تآكل الثقة في التحالفات: يؤدي نهج ترامب المتقلب إلى تقويض الثقة في الالتزامات الأمريكية الدولية، مما يدفع الحلفاء إلى البحث عن بدائل .
-
تأجيج الحروب التجارية: تهدد سياسات ترامب التجارية بتعطيل التجارة الدولية وزرع بذور الخلاف بين الدول، مما قد يؤدي إلى وضع خاسر للجميع .
-
صعود القوميات: قد تؤدي الضغوط الاقتصادية التي يمارسها ترامب إلى تأجيج المشاعر القومية في الدول المستهدفة، مما يعزز "مشاعر العداء تجاه الولايات المتحدة" .
-
الفراغ القيادي: قد يؤدي انسحاب الولايات المتحدة من دورها القيادي التقليدي إلى خلق فراغ تستغله قوى أخرى مثل الصين وروسيا لتعزيز نفوذها .
مستقبل النظام العالمي.. هل يعود القطار إلى سكته؟
تشير جميع الدلائل إلى أن التحولات التي أحدثها ترامب في النظام العالمي هي تحولات بنيوية عميقة يصعب عكسها. كما قالت كوندوليزا رايس، العالم "على الأرجح لن يعود إلى النظام السابق" .
ويبدو أن ترامب يعمل على "إعادة هندسة النظام العالمي" من خلال منظور جديد يتجاهل البروتوكولات الدبلوماسية التقليدية، ويعتمد على أسلوب مباشر يركز على عقد الصفقات وتحقيق المكاسب السريعة .
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل ستؤدي هذه التحولات إلى عالم أكثر استقراراً يدار من خلال توازن متعدد الأقطاب؟ أم أنها ستفتح الباب أمام صراعات جديدة في غياب القيادة الأمريكية التقليدية؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد ملامح القرن الحادي والعشرين.
مصادر المقال:
- وزير الخارجية الألماني: قرار ترامب بمواصلة دعم كييف عسكريا جاء بفضل جهود ميرتس - RT Arabic
- كيف يستخدم ترامب "نظرية الرجل المجنون" لمحاولة تغيير العالم - BBC Arabic
- ترامب وهندسة النظام العالمي.. إستراتيجية "يالطا" الجديدة - الجزيرة نت
الوسوم
ترامب | النظام العالمي | الناتو | الإنفاق العسكري | يالطا الجديدة

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار