الاقتصاد المصري: صمود استثنائي أمام العواصف الجيوسياسية وتحديات مستمرة

--

الاقتصاد المصري: صمود استثنائي أمام العواصف الجيوسياسية وتحديات مستمرة

القاهرة - 13 يوليو 2025:
رغم رياح التوتر العسكري التي هبت مجدداً في المنطقة بين إسرائيل وإيران، أكد معهد التمويل الدولي (IIF) أن الاقتصاد المصري أظهر "صموداً غير معتاد"، حيث كانت الآثار السلبية على الأسواق المصرية مؤقتة ومحدودة. جاء ذلك في تقرير حديث للمعهد سلط الضوء على نقاط القوة والمخاطر التي لا تزال تواجه أكبر اقتصاد عربي من حيث عدد السكان.

مظاهر الصمود:

  1. استقرار نسبي للجنيه: على الرغم من تراجع الجنيه المصري لفترة وجيزة مع بداية التصعيد، إلا أنه سرعان ما استعاد جزءاً من قوته، ليعاود مساره التدريجي المعتاد.
  2. علاوة مخاطر منخفضة: الأكثر لفتاً للانتباه هو بقاء "علاوة المخاطر السيادية" للعملة المصرية قرب أدنى مستوياتها منذ خمس سنوات، وهو مؤشر رئيسي على ثقة المستثمرين النسبية بمخاطر الدولة مقارنة بفترات سابقة.
  3. ثبات تدفقات المحافظ: أشار التقرير إلى استقرار نسبي في تدفقات المحافظ المالية (مثل الاستثمار في أذون الخزانة)، رغم التاريخ الطويل لتقلب هذه التدفقات وحساسيتها الشديدة للمخاطر ("الأموال الساخنة").

عوامل الدفع وراء الثبات:ذتحسن الأساسيات: يعزو التقرير هذا الصمود جزئياً إلى تحسن ملحوظ في الأساسيات الاقتصادية المصرية.

  • نجاح إصلاحات مارس 2024: كانت الإصلاحات التي شملت تحرير سعر الصرف ورفع أسعار الفائدة نقطة تحول. فقد جذبت أدوات الدين المصرية (بعوائد بلغت ذروتها 27.75%) تدفقات قوية من المستثمرين الأجانب. والأهم، أنها كسرت نمط التقلبات الحادة السابق. فمنذ مارس 2024، لم تشهد مصر سوى 4 أشهر من صافي التدفقات الخارجة، وكانت محدودة وتم استيعابها سريعاً.
  • تحول في مصادر التمويل: يلاحظ التقرير تحولاً في استراتيجية التمويل بعيداً عن الاعتماد الخطير على تدفقات المحافظ قصيرة الأجل، نحو تفضيل الاستثمار الأجنبي المباشر والتمويل الرسمي (من صندوق النقد الدولي ودول الخليج).
  • سياسة سعر الصرف المرنة: امتناع البنك المركزي عن التدخل المباشر في السوق ليدعم الجنيه ساهم في تعزيز مرونة العملة وقدرتها على امتصاص الصدمات، وبناء ثقة في وجود سوق صرف سائل.
  • أداء مالي قوي: رغم التحديات، مكّن الأداء القوي في تحصيل الإيرادات الحكومة من الاستمرار في استهداف فائض أولي 3.5% من الناتج المحلي للعام المالي 2024/2025.

التحديات والمخاطر المستمرة:

رغم الصورة الإيجابية، يحذر التقرير من عقبات كؤود:

  1. قناة السويس: تُعد إيرادات القناة أحد أهم مواطن الضعف الخارجي. يتوقع المعهد ألا تعود شركات الشحن العالمية للمسار التقليدي قبل ثلاثة أشهر متتالية من الهدوء في البحر الأحمر، مما يؤخر انتعاش الإيرادات على الأرجح حتى مطلع 2026.
  2. أزمة الطاقة: التوقف المؤقت لصادرات الغاز الإسرائيلي في يونيو الماضي أجبر مصر على خفض إمدادات الكهرباء للمصانع (خاصة الحديد والأسمدة) لحماية الاستهلاك المنزلي. مع دخول ذروة الصيف، وانخفاض الإنتاج المحلي والواردات، قد تُتخذ "قرارات سياسية صعبة".
  3. السياحة: رغم صمودها المذهل، تبقى عرضة لخطر التصعيد الجيوسياسي، خاصة إذا طال هذا التصعيد إسرائيل بشكل مباشر نظراً لقربها الجغرافي من المنتجعات المصرية.
  4. مخاطر تراجع الإصلاحات: يعد "بطء وتيرة الخصخصة" أكبر تهديد داخلي، حسب المعهد. وقد انعكس هذا القلق في قرار صندوق النقد الدولي تأجيل مراجعته الخامسة لبرنامج مصر ودمجها بالمراجعة السادسة المقررة في الخريف. البرنامج محوري لتدفقات التمويل الدولي والخليجي.
  5. ضغوط سوق الدين: لا تزال العوائد المرتفعة على أدوات الدين المحلي تمثل عبئاً على المالية العامة. ورغم محاولات الحكومة تمديد آجال الاستحقاق عبر الإصدارات طويلة الأجل، إلا أن هذه العملية "تسير بوتيرة أبطأ من المتوقع". كما أن التوترات الإقليمية ترفع علاوة المخاطر مؤقتاً، مما يعيق جهود خفض تكلفة الدين.

نظرة مستقبلية:

يخلص تقرير معهد التمويل الدولي إلى أن الاقتصاد المصري أثبت مرونة ملحوظة في بيئة إقليمية بالغة التعقيد، مدعوماً بتحسن في السياسات ومصادر تمويل أكثر استقراراً ودعماً خارجياً قوياً. ومع ذلك، فإن استدامة هذا النجاح تعتمد بشكل حاسم على مواصلة تنفيذ الإصلاحات، خاصة برنامج الخصخصة، وإدارة التحديات الخارجية المتعلقة بقناة السويس والطاقة والسياحة، والسيطرة على تكلفة الدين. أي تصعيد إقليمي جديد يبقى كفيلاً بإثارة مخاطر مؤقتة قد تعيد اختبار هذا الصمود الاستثنائي.


المصادر:

  1. معهد التمويل الدولي: الاقتصاد المصري يظهر صموداً غير معتاد (العربية.نت) - التقرير الأصلي على العربية.نت.
  2. صندوق النقد الدولي - مصر - لمتابعة تفاصيل برنامج التمويل والمراجعات.
  3. البنك المركزي المصري - إحصائيات سوق المال - للاطلاع على أحدث بيانات عوائد أذون الخزانة والسندات وحركة الصرف.

الوسوم

الاقتصاد المصري | علاوة المخاطر السيادية | تدفقات المحافظ | إصلاحات مارس 2024 | صندوق النقد الدولي

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

لبنان على حافة الانفجار: نهاية مهلة نزع سلاح "حزب الله" ومخاوف عام 2025

البحر الكاريبي يغلي: ترامب يفرض "حجراً صحياً" بحرياً على فنزويلا

طهران تتحدى تهديدات مارالاجو: قدراتنا خارج حدود الاحتواء وردنا سيفوق التصور