تراجع أسعار النفط والذهب في ظل التطورات التجارية الأمريكية-الأوروبية

--

شهدت الأسواق العالمية للسلع الأساسية تطورات ملحوظة في نهاية شهر يوليو 2025، حيث تراجعت أسعار النفط والذهب وسط حالة من عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية العالمية في أعقاب الاتفاق التجاري بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وقد تأثرت هذه الأسواق بمجموعة معقدة من العوامل السياسية والاقتصادية التي تعكس الديناميكيات المتغيرة للتجارة العالمية.

تراجع أسعار النفط والذهب في ظل التطورات التجارية الأمريكية-الأوروبية

Oil trading floor showing market volatility and price movements

الاتفاق التجاري الأمريكي-الأوروبي: تفاصيل وتداعيات

بنود الاتفاقية الرئيسية

تم الإعلان عن الاتفاق التجاري بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يوم الأحد 27 يوليو 2025، في أعقاب محادثات مكثفة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين في اسكتلندا. ويعد هذا الاتفاق بمثابة نقطة تحول في العلاقات الاقتصادية عبر الأطلسي، حيث يشمل اقتصادين يمثلان معاً ثلث التجارة العالمية.
وفقاً لشروط الاتفاقية، ستدفع دول الاتحاد الأوروبي تعريفة جمركية بنسبة 15% على معظم صادراتها إلى الولايات المتحدة، بما يشمل السيارات وأجزاءها، والمستحضرات الصيدلانية، وأشباه الموصلات. ومع ذلك، فإن هذه النسبة تعتبر أقل من التعريفة البالغة 30% التي كان ترامب قد هدد بفرضها سابقاً.

التزامات الطاقة والاستثمار

في المقابل، التزم الاتحاد الأوروبي بشراء طاقة أمريكية بقيمة 750 مليار دولار على مدى السنوات المقبلة، بالإضافة إلى استثمارات إضافية بقيمة 600 مليار دولار في الاقتصاد الأمريكي. وأكدت فون دير لايين أن "مشتريات منتجات الطاقة الأمريكية ستنوع مصادر الإمداد وتساهم في أمن الطاقة الأوروبي".
ومع ذلك، استثنى الاتفاق بعض القطاعات المهمة من النظام الجديد، حيث ستظل التعريفات على الصلب والألومنيوم عند مستواها الحالي البالغ 50%. كما تم استثناء بعض المنتجات الاستراتيجية من التعريفات تماماً، بما يشمل "جميع قطع الطائرات ومكوناتها، وبعض المواد الكيميائية، ومعدات أشباه الموصلات، وبعض المنتجات الزراعية".

تراجع أسعار النفط: عوامل متعددة

الأداء السعري والاتجاهات

شهدت أسواق النفط العالمية تراجعاً ملحوظاً في الأيام الأخيرة من شهر يوليو 2025. انخفضت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 1.1% إلى 68.44 دولار للبرميل يوم الجمعة 25 يوليو، بينما تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنسبة 1.3% إلى 65.16 دولار للبرميل. وسجلت هذه المستويات أدنى إغلاق لخام برنت منذ 4 يوليو وأدنى إغلاق لخام غرب تكساس منذ 30 يونيو.

تراجع أسعار النفط والذهب في ظل التطورات التجارية الأمريكية-الأوروبية

Oil prices showing recent volatility and decline in late July 2025


وفي التعاملات اللاحقة، استقرت أسعار النفط عند مستويات منخفضة، حيث بلغ خام برنت 69.98 دولار للبرميل يوم الثلاثاء 29 يوليو، بانخفاض قدره 6 سنتات عن الجلسة السابقة، في حين وصل خام غرب تكساس الوسيط إلى 66.60 دولار للبرميل بانخفاض 11 سنتاً.

التاريخ خام برنت (دولار/برميل) غرب تكساس (WTI) الذهب (دولار/أونصة)
24 يوليو 69.55 67.00 3362.00
25 يوليو 68.44 65.16 3340.25
26 يوليو 69.10 65.90 3328.00
27 يوليو 69.40 66.20 3332.70
28 يوليو 70.04 66.71 3319.80
29 يوليو 69.98 66.60 3318.71

العوامل المؤثرة على الأسعار

الاتفاق التجاري والمخاوف الاقتصادية

رغم أن الاتفاق التجاري بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تجنب حرباً تجارية شاملة التي كان من الممكن أن تطال ثلث التجارة العالمية وتضعف توقعات الطلب على الوقود، إلا أن التعريفة الجمركية البالغة 15% لا تزال تثير القلق بشأن آفاق النمو في منطقة اليورو.
وفي هذا السياق، أشار محللو بنك ANZ في مذكرة إلى أن "معدل الـ15% سيشكل عائقاً أمام آفاق النمو في منطقة اليورو، لكن من غير المرجح أن يدفع الاقتصاد إلى الركود". وأضافوا أن "الجدول الزمني والمعالم المستهدفة للاستثمارات غير واضحة".

البيانات الاقتصادية الضعيفة

ساهمت البيانات الاقتصادية السلبية من الولايات المتحدة والصين في الضغط على أسعار النفط. ففي الولايات المتحدة، انخفضت الطلبات الجديدة للسلع الرأسمالية الأساسية بشكل غير متوقع في يونيو، مما يشير إلى تباطؤ إنفاق الشركات على المعدات في الربع الثاني.
من جهة أخرى، في الصين - ثاني أكبر اقتصاد في العالم - انخفضت الإيرادات المالية بنسبة 0.3% في النصف الأول من العام مقارنة بنفس الفترة من 2024.

زيادة الإنتاج من أوبك+

قرارات الإنتاج الأخيرة

اتخذت مجموعة أوبك+ قرارات مهمة بشأن زيادة الإنتاج خلال شهر يوليو 2025. أعلنت ثماني دول من أوبك+ عن زيادة إنتاج النفط بمقدار 411 ألف برميل يومياً في يوليو 2025 مقارنة بمستوى الإنتاج المطلوب في يونيو. وتشمل هذه الدول السعودية وروسيا والعراق والإمارات والكويت وكازاخستان والجزائر وعُمان.
وتمثل هذه الزيادة تسارعاً في وتيرة عكس التخفيضات الطوعية البالغة 2.2 مليون برميل يومياً التي اتفقت عليها هذه الدول لدعم الأسعار. وفقاً لتقرير وكالة الطاقة الدولية، فقد ارتفع الإنتاج العالمي للنفط بشكل حاد بمقدار 950 ألف برميل يومياً في يونيو ليصل إلى 105.6 مليون برميل يومياً.

تأثير القرارات على السوق

أدت هذه الزيادات في الإنتاج إلى انخفاض أسعار النفط إلى حوالي 60 دولار للبرميل، وهو أدنى مستوى في أربع سنوات. وعلق محلل شركة ريستاد إنيرجي خورخي ليون بالقول إن أوبك+ "ضربت ثلاث مرات: (هدف الإنتاج لـ) مايو كان تحذيراً، ويونيو تأكيداً، ويوليو طلقة تحذيرية".

استقرار أسعار الذهب عند مستويات منخفضة

الأداء السعري الأخير

شهدت أسواق الذهب استقراراً نسبياً في نهاية شهر يوليو 2025، لكن عند مستويات منخفضة نسبياً. [استقر سعر الذهب في المعاملات الفورية عند 3318.71 دولار للأونصة] بتمام الساعة 06:01 بتوقيت غرينيتش يوم الثلاثاء 29 يوليو، وكان المعدن النفيس قد سجل أدنى مستوى له منذ 9 يوليو في الجلسة السابقة.

تراجع أسعار النفط والذهب في ظل التطورات التجارية الأمريكية-الأوروبية

Gold prices showing stabilization near 3-week lows in late July 2025


وكان الذهب قد شهد تراجعاً حاداً من مستويات مرتفعة في بداية الأسبوع، حيث انخفض بنسبة 1.98% إلى 3362 دولار في 24 يوليو بعد إعلان الرئيس ترامب عن صفقات تجارية "محتملة" مع الهند وكوريا الجنوبية واليابان.

العوامل المؤثرة على الذهب

تراجع الطلب على الملاذات الآمنة

يُعزى [استقرار أسعار الذهب عند مستويات منخفضة إلى عاملين رئيسيين: تراجع المخاوف من حرب تجارية عالمية بعد الاتفاق التجاري بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي]، وصعود الدولار الذي قلل من جاذبية المعدن الأصفر كملاذ آمن.

وأشار تقرير إلى أن تخفيف التوترات التجارية بين الولايات المتحدة واليابان إلى جانب التقدم الإيجابي في المحادثات الأمريكية-الأوروبية أزال بعض البريق من الذهب كأصل ملاذ آمن.

الدعم من الدولار الضعيف

مع ذلك، فإن وجود الدولار الأمريكي الضعيف وانخفاض كبير في عائدات سندات الخزانة الأمريكية وفر بعض الدعم لتخفيف الضربة. كما أن الطلب الاستثنائي من البنوك المركزية لا يزال يوفر دعماً هيكلياً للأسعار، حيث تقدر جولدمان ساكس أن البنوك المركزية تتراكم 80 طناً شهرياً، ما يعادل 8.5 مليار دولار بالأسعار الحالية.

المحادثات التجارية الأمريكية-الصينية في ستوكهولم

تفاصيل الجولة الأولى

في تطور مواز للاتفاق الأمريكي-الأوروبي، التقى كبار المسؤولين الاقتصاديين من الولايات المتحدة والصين في ستوكهولم يوم الاثنين 29 يوليو لإجراء محادثات استمرت لأكثر من خمس ساعات. وشارك في المحادثات وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت ونائب رئيس الوزراء الصيني هه ليفنغ.

الأهداف والتوقعات

تهدف هذه المحادثات إلى تمديد الهدنة التجارية الهشة بين أكبر اقتصادين في العالم في مواجهة الحرب التجارية العالمية للرئيس ترامب. تنتهي الهدنة الحالية البالغة 90 يوماً في 12 أغسطس، لكن هناك مؤشرات على إمكانية استخدام محادثات ستوكهولم لدفعها إلى الأمام أكثر.
وبموجب الاتفاق الحالي، انخفضت الرسوم الأمريكية على البضائع الصينية مؤقتاً إلى 30%، وتم تخفيض الإجراءات المضادة الصينية إلى 10%.

السياسة النقدية الأمريكية والأسواق

توقعات الفيدرالي الأمريكي

في سياق الأحداث الاقتصادية المؤثرة على أسواق السلع، من المتوقع على نطاق واسع أن يبقي مجلس الاحتياطي الاتحادي أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماع 29-30 يوليو 2025. ومع ذلك، فقد أشار بعض مسؤولي الفيدرالي إلى ميل نحو سياسة تيسيرية وسط علامات على تباطؤ التضخم.
أعرب حاكم الاحتياطي الفيدرالي كريستوفر والر عن اعتقاده بأن الفيدرالي يجب أن يخفض معدل الفائدة المستهدف في اجتماع يوليو، مشيراً إلى المخاطر الاقتصادية المتزايدة واحتمالية قوية أن التضخم الناجم عن التعريفات لن يدفع إلى ارتفاع مستمر في ضغوط الأسعار.

تأثير التعريفات على التضخم

حذر مسؤولو الفيدرالي من أن تعريفات ترامب - وهي الأعلى في ما يقارب القرن - قد تعيد إشعال ضغوط الأسعار. وأشار والر إلى أن "التعريفة المستدامة بنسبة 10% من المرجح أن تزيد التضخم بنسبة 0.75%-1% هذا العام".

توقعات المحللين والأسواق

توقعات أسعار النفط

تشير التوقعات الفنية إلى أن النفط يحافظ على اتجاهه الهبوطي متوسط المدى. ومع اقتراب السعر من أدنى مستوى في يونيو عند 63.70 دولار، فإن الهدف الهبوطي الرئيسي التالي قد يكون المنطقة المستهدفة الثالثة عند 58.42-57.80 دولار.
وتوقع تقرير وكالة الطاقة الدولية أن يرتفع المعروض العالمي من النفط بمعدل 2.1 مليون برميل يومياً هذا العام إلى 105.1 مليون برميل يومياً، وبمقدار إضافي قدره 1.3 مليون برميل يومياً في 2026.

توقعات أسعار الذهب

على الرغم من التراجع الأخير، تتوقع معظم التحليلات والخبراء أن ترتفع أسعار الذهب إلى 3634 دولار بحلول نهاية 2025. وتشير التوقعات الأكثر تفاؤلاً إلى زيادة قد تصل إلى 3653.60 دولار، بينما تضع التقديرات المحافظة والمعتدلة المعدن النفيس عند حوالي 3619.67 دولار بحلول نهاية العام.

الأسواق العالمية والنظرة المستقبلية

التحديات والفرص

تواجه الأسواق العالمية للسلع الأساسية مجموعة معقدة من التحديات في الوضع الحالي. فمن جهة، تسعى الاتفاقات التجارية الجديدة إلى تجنب حروب تجارية شاملة قد تضر بالنمو الاقتصادي العالمي. ومن جهة أخرى، تؤثر التعريفات الجديدة والسياسات التجارية على تدفقات الاستثمار والتجارة.

التوازن بين العرض والطلب

في سوق النفط، يواجه المحللون تحدياً في فهم التوازن بين العرض والطلب. فبينما تشير أرقام الإنتاج إلى زيادة كبيرة في المعروض، هناك عوامل موسمية مثل زيادة استهلاك الوقود لتوليد الكهرباء في النصف الشمالي من الكرة الأرضية خلال الصيف تساعد على شد السوق.
وفي سوق الذهب، يظل الطلب من البنوك المركزية عاملاً داعماً قوياً، حيث تسعى 73% من البنوك المركزية إلى تقليل احتياطياتها من الدولار الأمريكي خلال السنوات الخمس المقبلة.

التأثيرات الجيوسياسية

العلاقات التجارية الدولية

يعكس الاتفاق الأمريكي-الأوروبي محاولة لإعادة توازن العلاقات الاقتصادية عبر الأطلسي في عالم متزايد القطبية. وصف المستشار الألماني فريدريش مرتس الاتفاق بأنه يتجنب "التصعيد غير المفيد في العلاقات التجارية عبر الأطلسي".
ومع ذلك، واجه الاتفاق انتقادات من بعض القادة الأوروبيين. عبر رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا بايرو عن مخاوفه، مشيراً إلى أن الاتحاد الأوروبي قد استسلم للولايات المتحدة.

الاستقرار الإقليمي

تلعب المحادثات التجارية المختلفة دوراً مهماً في تشكيل البيئة الجيوسياسية العالمية. فالمحادثات الأمريكية-الصينية في ستوكهولم، على سبيل المثال، تسعى إلى تمهيد الطريق لقمة محتملة بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ في أواخر أكتوبر أو أوائل نوفمبر 2025.

خلاصة التحليل والتوقعات

تشهد أسواق السلع الأساسية العالمية فترة من التقلبات والتكيف مع التطورات التجارية والسياسية الجديدة. فبينما نجح الاتفاق التجاري بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في تجنب حرب تجارية شاملة، إلا أن التعريفات الجديدة والالتزامات الاستثمارية تثير تساؤلات حول التأثيرات طويلة المدى على النمو الاقتصادي والتجارة العالمية.
في سوق النفط، تتضافر عوامل متعددة لممارسة ضغط هبوطي على الأسعار، بما يشمل زيادة الإنتاج من أوبك+ والمخاوف الاقتصادية العالمية. وفي سوق الذهب، يحقق المعدن النفيس توازناً بين تراجع الطلب على الملاذات الآمنة والدعم المستمر من البنوك المركزية.
تبقى التطورات المقبلة في المحادثات التجارية المختلفة، وقرارات السياسة النقدية للبنوك المركزية الكبرى، والأوضاع الجيوسياسية العالمية عوامل حاسمة في تحديد اتجاه هذه الأسواق في الأشهر المقبلة.

المصادر الرئيسية:

الوسوم

النفط | الذهب | الاتفاق التجاري الأمريكي الأوروبي | أوبك+ | الحرب التجاريه

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

لبنان على حافة الانفجار: نهاية مهلة نزع سلاح "حزب الله" ومخاوف عام 2025

البحر الكاريبي يغلي: ترامب يفرض "حجراً صحياً" بحرياً على فنزويلا

طهران تتحدى تهديدات مارالاجو: قدراتنا خارج حدود الاحتواء وردنا سيفوق التصور