اجتماع العشرين: تحذيرات صندوق النقد وأجندة أفريقيا في زمن الأزمات

--

اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة العشرين في جنوب أفريقيا - مصدر الصورة: رويترز

اجتماع العشرين: تحذيرات صندوق النقد وأجندة أفريقيا في زمن الأزمات

مقدمة: عالم اقتصادي على حافة الهاوية

بينما يغادر وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية لقادة الاقتصادات الكبرى مدينة ديربان بجنوب أفريقيا بعد اختتام الاجتماع الثالث لمجموعة العشرين، تظل التحذيرات التي أطلقها صندوق النقد الدولي تتردد في أروقة السياسة الاقتصادية العالمية. جاءت كلمة غيتا غوبينات، النائبة الأولى لمديرة صندوق النقد الدولي، لتكشف عن صورة اقتصادية عالمية هشة رغم مظاهر الصمود الأخيرة، حيث اعتبرت أن حالة عدم اليقين تظل العامل الأبرز في المشهد الاقتصادي العالمي لعام 2025.

تحديات كبرى تواجه الاقتصاد العالمي

1. تباطؤ النمو العالمي

تشير أحدث توقعات صندوق النقد الدولي إلى أن النمو العالمي سيبلغ 2.8% فقط خلال 2025، و3.0% خلال 2026، وهي نسب أدنى بكثير من المتوسط التاريخي البالغ 3.7%. يعود هذا التباطؤ الملحوظ بشكل رئيسي إلى:

  • التوترات التجارية المتصاعدة بين القوى الاقتصادية الكبرى
  • تراجع الطلب العالمي على السلع والخدمات
  • خفض التوقعات لاقتصادات كبرى مثل الولايات المتحدة والصين

2. تضخم متفاوت بين الدول

رغم مسار الهبوط التدريجي، يظل التضخم العالمي عند مستويات مرتفعة نسبياً، متوقعاً أن يصل إلى 4.3% خلال 2025، و3.6% خلال 2026. لكن اللافت هو التفاوت الكبير في معدلات التضخم بين الدول، حيث لا تزال بعض الاقتصادات الناشئة تعاني من ضغوط تضخمية قوية.

3. غيابات لافتة تعكس انقسامات العالم

أكدت ديناميكيات الاجتماع غياباً لافتاً لوزراء مالية دول كبرى، حيث لم يحضر وزراء من الولايات المتحدة والصين والهند والبرازيل وفرنسا وروسيا، مما أثار تساؤلات حول فعالية التنسيق الدولي في ظل الانقسامات الجيوسياسية الحالية . رغم ذلك، أكد رئيس بنك الاحتياطي الجنوب أفريقي ليستييا كجانياغو أن "أي قرار يصدر هنا هو قرار لمجموعة العشرين" .

رؤية صندوق النقد: سياسات مقترحة لمواجهة التحديات

إصلاحات هيكلية لتعزيز الإنتاجية

دعت غوبينات إلى إصلاحات هيكلية طموحة لتعزيز الإنتاجية وخلق فرص العمل، مع التركيز على الاستفادة من التكنولوجيا الجديدة لمواجهة التحديات الديموغرافية. شددت على أهمية:

  • استعادة الحيز المالي وضمان استدامة الدين العام
  • حماية استقلالية البنوك المركزية وتكييف السياسات النقدية
  • استخدام أدوات تواصل واضحة ومتسقة مع الأسواق

تعزيز التعاون التجاري الدولي

أكد المشاركون في اجتماع مجموعة العشرين على ضرورة تسوية النزاعات التجارية، رغم التوترات الحالية التي خيمت على الاجتماع بسبب الرسوم الجمركية الأمريكية الأخيرة . وأشار وزير المالية الجنوب أفريقي إينوك جودونجوانا في كلمته الافتتاحية إلى أن "العالم اليوم في أمسّ الحاجة إلى قيادة جماعية تتسم بالجرأة والتعاون" .

أفريقيا في بؤرة الاهتمام: فرص وتحديات

أجندة أفريقية طموحة

سعت جنوب أفريقيا، التي ترأس دورة مجموعة العشرين الحالية تحت شعار "التضامن والمساواة والاستدامة"، إلى تعزيز أجندة أفريقية من خلال طرح قضايا رئيسية مثل:

  • ارتفاع كلفة رأس المال في القارة
  • تمويل إجراءات مكافحة تغير المناخ
  • التحديات التي تعترض النمو والتنمية في أفريقيا

إمكانات ضريبية غير مستغلة

أشارت غوبينات إلى أن الدول الأفريقية منخفضة الدخل يمكنها زيادة إيراداتها الضريبية بنسبة تصل إلى 7% من الناتج المحلي الإجمالي إذا استغلت إمكاناتها الضريبية بالكامل. يدعم صندوق النقد هذه الجهود من خلال:

  • إصلاح السياسات الضريبية
  • توسيع القواعد الضريبية
  • تحسين كفاءة التحصيل الضريبي
  • دعم فاعلية الإنفاق العام

الدين العالمي: قنبلة موقوتة

تحذيرات من ديون اليابان

جاءت اجتماعات مجموعة العشرين في وقت تواجه فيه اقتصادات كبرى تحديات ديون هائلة، حيث حذرت وكالة فيتش من أن المسار المالي لديون اليابان قد يتجه مجدداً نحو الارتفاع بحلول نهاية العقد الحالي . تمتلك اليابان أحد أعلى معدلات الدين العام في العالم نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي، رغم ما تتمتع به من ثقة مؤسسية واحتياطيات نقد أجنبي ضخمة.

أطر معالجة ديون الدول الفقيرة

أعادت غوبينات التأكيد على المبادرة المشتركة مع البنك الدولي لمعالجة أزمة ديون الدول منخفضة الدخل من خلال نهج "الأعمدة الثلاثة". وهذا يتوافق مع الجهود السابقة لمجموعة العشرين في معالجة أزمات الديون، حيث سبق أن صادقت المجموعة على "إطار العمل المشترك لمعالجة الديون" الذي يتجاوز نطاق مبادرة تعليق مدفوعات خدمة الدين .

الاستقرار المالي والابتكار: تحديات وفرص

مخاطر النظام المالي غير المصرفي

حذّرت غوبينات من أن الاستقرار المالي العالمي لا يزال هشاً، في ظل ارتفاع التقييمات المالية واستخدام الرافعة المالية في بعض أجزاء النظام المالي، خاصة في المؤسسات المالية غير المصرفية. وأكدت على ضرورة:

  • المراقبة الدقيقة للنظام المالي
  • الإشراف المستمر على المؤسسات غير المصرفية
  • تعزيز آليات التقليل من المخاطر النظامية

مدفوعات عابرة للحدود

أشارت النائبة الأولى لمدير الصندوق إلى أن تطوير أنظمة المدفوعات العابرة للحدود باستخدام التكنولوجيا المالية يمثل أداة مهمة لدعم النمو والاستقرار المالي الكلي. وهذا يتوافق مع تجربة دولة الإمارات الرائدة في مجال سد فجوات الحماية التأمينية من خلال تقييمات مخاطر المناخ ونماذج تسعير الأقساط .

خاتمة: طريق شاق نحو التعافي

تعكس تصريحات غوبينات وتفاصيل اجتماع مجموعة العشرين صورة اقتصاد عالمي على مفترق طرق، حيث تتداخل التحديات التقليدية مع مستجدات العصر. رغم التحذيرات القاتمة، تظل الفرص موجودة، خاصة في تعزيز التعاون الدولي واستغلال الإمكانات الكامنة في الاقتصادات الناشئة والأفريقية.

بينما يستعد صندوق النقد الدولي لتحديث توقعاته نهاية يوليو 2025، تبقى الأنظار مسلطة على مدى قدرة دول العالم، وخاصة الناشئة منها، على تنفيذ إصلاحات هيكلية تعزز النمو الشامل والمستدام. كما تبرز أهمية استمرار دور مجموعات التنسيق الدولية مثل العشرين في توفير منصة للحوار رغم التحديات السياسية والانقسامات الجيوسياسية الحالية.


مصادر مباشرة:

  1. الإمارات تشارك في الاجتماع الثالث لوزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة العشرين
  2. وزراء مالية مجموعة العشرين متفائلون بالتوصل إلى توافق رغم غياب واشنطن وتوترات التجارة
  3. «فيتش» تحذر: مسار الدين الياباني سيعود إلى الارتفاع قبل نهاية العقد

الوسوم

النمو العالمي | التضخم | ديون الدول الفقيرة | مجموعة العشرين | إصلاحات هيكلية

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

لبنان على حافة الانفجار: نهاية مهلة نزع سلاح "حزب الله" ومخاوف عام 2025

البحر الكاريبي يغلي: ترامب يفرض "حجراً صحياً" بحرياً على فنزويلا

طهران تتحدى تهديدات مارالاجو: قدراتنا خارج حدود الاحتواء وردنا سيفوق التصور