مصر ثاني أكبر مدين لصندوق النقد.. وخبير دولي يحذر: شروط مذلة ومخاطر سيادية

--

مصر ثاني أكبر مدين لصندوق النقد.. وخبير دولي يحذر: شروط مذلة ومخاطر سيادية

صورة تجسد خبير اقتصادي دولي في مكتب مع أعلام وكتب

حذر الخبير الاقتصادي الدولي الدكتور محمد فنيش، المدير التنفيذي السابق لصندوق النقد الدولي، من خطورة إدمان الدول العربية على الاقتراض من صندوق النقد الدولي، مشيرا إلى أن مصر باتت ثاني أكبر مدين في العالم بعد الأرجنتين. وقال في مقابلة تلفزيونية أن هذا الوضع يثير القلق الشديد حول مستقبل الاقتصاد المصري ومدى قدرته على التخلص من هذه التبعية المالية.

مصر في المرتبة الثانية عالميا

تشير الإحصائيات الحديثة إلى أن مصر تحل كثاني أكبر دول العالم استدانة من صندوق النقد الدولي بقيمة 11.8 مليار دولار، أو 11.4% من إجمالي الديون المقدمة من الصندوق. وتأتي الأرجنتين في المرتبة الأولى كأكبر مدين لصندوق النقد الدولي، حيث يبلغ حجم ديونها للصندوق 43.9 مليار دولار.
وقد ارتفعت ديون مصر للصندوق بشكل كبير في السنوات الأخيرة، حيث وصلت قيمة التزامات مصر تجاه الصندوق إلى 13.2 مليار دولار حتى منتصف أكتوبر 2024. وتشير التقديرات إلى أن إجمالي المبالغ المستحقة على مصر للصندوق في العام المالي 2025/2026 يُتوقع أن يبلغ نحو 3.7 مليار دولار.

مصر ثاني أكبر مدين لصندوق النقد.. وخبير دولي يحذر: شروط مذلة ومخاطر سيادية

أكبر الدول المدينة لصندوق النقد الدولي - تتصدر الأرجنتين القائمة بـ43.9 مليار دولار تليها مصر بـ11.8 مليار دولار


شروط مذلة تضر بالاقتصادات المحلية

انتقد الدكتور فنيش بشدة شروط صندوق النقد التي وصفها بالمذلة، موضحاً أن هذه المؤسسات تطالب الدول المقترضة بتخفيض الإنفاق ورفع أسعار الفائدة وإلغاء الدعم، مما يضر بالاقتصادات المحلية. وأشار إلى أن هذه السياسات التقشفية تؤدي إلى زيادة معدلات الفقر وترفع من التضخم، مما يؤثر سلباً على المعيشة العامة للمواطنين.
وتطالب شروط صندوق النقد عادة الدول المقترضة بتطبيق سياسات التقشف ورفع الدعم عن السلع الرئيسية مثل الخبز والمحروقات والصحة والتعليم، والسماح بالخصخصة وفرض المزيد من الضرائب. كما تشمل الشروط تحرير سعر الصرف والحد من تدخل الحكومة في الاقتصاد.

التجربة الماليزية كنموذج للمقاومة

استشهد الدكتور فنيش بتجربة ماليزيا الناجحة التي رفضت الاقتراض من صندوق النقد الدولي أثناء الأزمة المالية الآسيوية في عام 1997، وكانت أول دولة تخرج من الأزمة. فبدلاً من الخضوع لشروط الصندوق القاسية، اعتمدت ماليزيا بقيادة رئيس الوزراء مهاتير محمد على مواردها الذاتية ورفضت المساعدة الخارجية.
رفضت ماليزيا مقترحات صندوق النقد الدولي والتي شملت زيادة فائض الميزانية لرفع معدلات الفائدة وكذلك رفض القروض المقدمة من البنك الدولي على أساس أن شروطها تجعل الاقتصاد الماليزي يُدار من داخل مكاتب صندوق النقد الدولي وليس من الماليزيين أنفسهم. وقد أثبتت هذه الاستراتيجية نجاحها، حيث تمكنت ماليزيا من التعافي والنمو بطريقة مستقلة.

الهيمنة الغربية على المؤسسات المالية الدولية

أوضح الدكتور فنيش أن الهيمنة الغربية على المؤسسات المالية الدولية تتجسد في كون رئيس البنك الدولي أمريكياً ورئيس صندوق النقد أوروبياً، بينما تملك الولايات المتحدة حق النقض على جميع القرارات المهمة بحكم حصتها التصويتية البالغة 18%. واعتبر أن هذا النظام لم يتغير كثيراً منذ اتفاقية بريتون وودز في الأربعينيات.
وقد تأسست اتفاقية بريتون وودز عام 1944 بهدف تأسيس استقرار مالي دولي بمنع تبادل العملات بين البلدان والحد من المضاربة في العملات الدولية. ومنذ ذلك الحين، ظلت المؤسسات المالية الدولية تحت السيطرة الغربية، مما يثير تساؤلات حول عدالة القرارات المتخذة.

محمد فنيش: خبرة عريقة في الاقتصاد الدولي

الدكتور محمد فنيش هو خبير اقتصادي ليبي وُلد في طرابلس عام 1936، وشغل منصب المدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي بين عامي 1978 و1992. حصل على البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1960، ثم سافر إلى الولايات المتحدة حيث نال الماجستير في الاقتصاد عام 1968 والدكتوراه من جامعة جنوب كاليفورنيا عام 1972.
تربط الدكتور فنيش علاقة فكرية عميقة بالمفكر الجزائري مالك بن نبي، حيث التقى به في القاهرة خلال الخمسينيات وسكن معه لأكثر من سنتين. وقد تأثر بأفكار بن نبي حول الحضارة والتنمية، ووصفه بأنه شخصية مركبة تجمع بين روحانية الصوفي وحماس الداعية ودقة المهندس.

التحذير من تصاعد التدخل الخارجي

حذر الدكتور فنيش من تزايد تدخل القوى الخارجية في المنطقة العربية كلما تأخرت الشعوب في حل مشاكلها. وأشار إلى أن الدول العربية تملك كل المقومات للنجاح من موارد طبيعية وموقع استراتيجي، لكنها تعاني من هجرة العقول والاعتماد المفرط على القروض الخارجية.
وانتقد صمت العالم العربي والإسلامي تجاه ما يحدث في فلسطين، مشيراً إلى أن مليارين من البشر و60 دولة إسلامية تقف صامتة أمام هذه الإبادة، في وقت يتظاهر الغربيون في شوارع أوروبا وأمريكا. ودعا إلى ضرورة إظهار الصوت العربي والإسلامي، حتى لو لم تكن المشاركة بالسلاح ممكنة.

مستقبل الديون المصرية

يتوقع صندوق النقد الدولي أن الدين الخارجي لمصر سيرتفع من 162.7 مليار دولار خلال العام المالي 2024/2025 إلى نحو 202 مليار دولار بنهاية العام المالي 2029/2030. وأشار الصندوق إلى أن التقدم الذي أحرزته الحكومة المصرية في تنفيذ الإصلاحات الهيكلية المرتبطة باتفاق القرض البالغ 8 مليارات دولار جاء بشكل "متفاوت".

وتشير التقديرات إلى أن مصر ستتمكن من سداد كافة التزاماتها تجاه صندوق النقد الدولي، من قروض وفوائد، بحلول نهاية العام المالي 2046/2047. ومع ذلك، يواصل الخبراء التحذير من استمرار الاعتماد على القروض الخارجية دون إجراء إصلاحات هيكلية حقيقية في الاقتصاد.

الدعوة لإعادة النظر في النظام المالي العالمي

دعا الدكتور فنيش إلى إعادة النظر في هيكلة المؤسسات المالية الدولية التي تهيمن عليها القوى الغربية منذ عقود. وتأتي هذه الدعوة في إطار المطالبات المتزايدة من دول مجموعة بريكس وغيرها من الاقتصاديات الناشئة لإصلاح شامل في صندوق النقد الدولي يشمل إعادة توزيع حقوق التصويت وإنهاء التقليد القائم بتولي الأوروبيين رئاسة الصندوق.

وأكد وزراء مالية دول مجموعة بريكس مؤخراً على أهمية تعزيز التمثيل الإقليمي في إدارة صندوق النقد الدولي، والتخلي عن اتفاق "السادة" الذي عفا عليه الزمن منذ الحرب العالمية الثانية. هذه المطالبات تعكس رغبة متزايدة لدى الدول النامية في الحصول على تمثيل أكثر عدالة في القرارات الاقتصادية العالمية.

تحذيرات الدكتور محمد فنيش تلقي الضوء على التحديات الكبيرة التي تواجه الدول العربية في التعامل مع المؤسسات المالية الدولية، وتؤكد على الحاجة الملحة لإيجاد بدائل تنموية مستقلة تحافظ على السيادة الاقتصادية للدول.


المصادر:

الوسوم

ديون مصر الخارجية | صندوق النقد الدولي | شروط التقشف | محمد فنيش | الاقتصاد المصري

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

لبنان على حافة الانفجار: نهاية مهلة نزع سلاح "حزب الله" ومخاوف عام 2025

البحر الكاريبي يغلي: ترامب يفرض "حجراً صحياً" بحرياً على فنزويلا

طهران تتحدى تهديدات مارالاجو: قدراتنا خارج حدود الاحتواء وردنا سيفوق التصور