الدولار الأمريكي يسجل أسوأ أداء له منذ عام 1973: تحليل شامل للأزمة والتداعيات
انهيار تاريخي للعملة الأمريكية
يشهد الدولار الأمريكي في عام 2025 أسوأ أداء له في النصف الأول من العام منذ انهيار نظام بريتون وودز المدعوم بالذهب في عام 1973. فقد انخفض مؤشر الدولار، الذي يقيس قوة العملة مقابل سلة من ست عملات رئيسية تشمل الجنيه الإسترليني واليورو والين، بأكثر من 10 في المائة منذ بداية العام.
هذا الانخفاض الحاد يضع الدولار على مسار تحقيق أسوأ نصف أول له منذ خسارة 15 في المائة في عام 1973، وأضعف أداء على مدار فترة ستة أشهر منذ عام 2009. وتعتبر هذه الأرقام صادمة بالنظر إلى الهيمنة التقليدية للدولار على الأسواق العالمية.
الأسباب الجذرية وراء ضعف الدولار
السياسات التجارية المتقلبة لترامب
تعزى الأزمة الحالية بشكل أساسي إلى السياسات التجارية والاقتصادية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب. يقول فرانشيسكو بيسول، استراتيجي العملات الأجنبية في "آي إن جي": "أصبح الدولار كبش فداء لسياسات ترامب المتقلبة".
وأضاف أن حرب الرسوم الجمركية المتقطعة التي شنّها الرئيس، واحتياجات الولايات المتحدة الهائلة للاقتراض، والمخاوف بشأن استقلال مجلس الاحتياطي الفيدرالي قوضت جاذبية الدولار بوصفه ملاذاً آمناً للمستثمرين.
أزمة الدين الأمريكي المتفاقمة
من أبرز العوامل المؤثرة على ضعف الدولار مشروع قانون الضرائب "الضخم والجميل" لترامب، والذي من المتوقع أن يضيف 3.2 تريليون دولار إلى كومة الديون الأمريكية على مدى العقد المقبل. وبحسب تحليل أكثر تفصيلاً من مكتب الميزانية في الكونغرس، فإن مشروع القانون سيزيد العجز بـ2.8 تريليون دولار بعد احتساب التأثيرات الاقتصادية الأخرى.
هذه الأرقام الضخمة أثارت المخاوف بشأن استدامة اقتراض واشنطن، مما أثار نزوحاً من سوق سندات الخزانة الأمريكية. ويقدر التقرير أن مشروع القانون سيرفع أسعار الفائدة ويزيد مدفوعات الفوائد على الدين الفيدرالي بـ441 مليار دولار.
حالة عدم اليقين في السياسة النقدية
أسهمت التوقعات بخفض أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي في إضعاف الدولار. فمع توقع إجراء خمسة تخفيضات على الأقل بربع نقطة مئوية بحلول نهاية العام المقبل، بدأ المستثمرون في إعادة تقييم جاذبية الأصول المقومة بالدولار.
ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن الاحتياطي الفيدرالي قلص توقعاته لخفض الفائدة في 2025 إلى خفضين فقط بدلاً من أربعة كما كان متوقعاً سابقاً.
صعود العملات المنافسة
اليورو يحقق مكاسب استثنائية
خالف الأداء الحالي للعملات توقعات بداية العام التي أشارت إلى أن حرب ترامب التجارية ستلحق ضرراً أكبر بالاقتصادات خارج الولايات المتحدة. بدلاً من ذلك، ارتفع اليورو بنسبة 13 في المائة ليتجاوز 1.17 دولار، متحدياً توقعات عدة بنوك في "وول ستريت" بأن يتراجع إلى مستوى التكافؤ مع الدولار هذا العام.
دفعت خطة ألمانيا التاريخية لتعزيز الإنفاق على الدفاع والبنية التحتية اليورو إلى ارتفاع قوي. وسجل الأسبوع الماضي أكبر مكاسب أسبوعية له أمام الدولار منذ عام 2009. ويتوقع "بنك أوف أميركا" أن يصل اليورو إلى 1.15 دولار بنهاية عام 2025، بل وإلى 1.20 دولار بحلول نهاية 2026.
الين الياباني يستعيد قوته
حقق الين الياباني مكاسب قوية هذا العام، حيث ارتفع بنحو 6 في المائة أمام الدولار، مستفيداً من ارتفاع أسعار الفائدة اليابانية وتدفقات الاستثمارات الباحثة عن الملاذ الآمن في ظل التقلبات العالمية.
يقول ليفتيريس فارماكيس، محلل استراتيجيات الصرف الأجنبي في "بنك باركليز": "إذا كنت تريد التحوط ضد مخاطر التباطؤ في الاقتصاد الأمريكي، فإن اليابان هي الوجهة المناسبة، نظراً لاحتمال تراجع عوائد سندات الخزانة الأمريكية".
عملات أخرى تحقق مكاسب
| العملة | نسبة التغير أمام الدولار | أبرز الأسباب |
|---|---|---|
| اليورو | +13% | زيادة الإنفاق الألماني والدعم الأوروبي |
| الين الياباني | +6% | ارتفاع الفائدة وتدفقات الملاذ الآمن |
| الجنيه الإسترليني | +6.6% | استقرار سياسي نسبي وأداء اقتصادي أقوى من المتوقع |
| الفرنك السويسري | ارتفاع ملحوظ | جاذبية كملاذ آمن |
| الكرونة السويدية | ارتفاع ملحوظ | أداء اقتصادي قوي نسبياً |
| الدولار الكندي | أداء ضعيف | تراجع أسعار النفط وبيانات نمو باهتة |
لم تقتصر المكاسب على اليورو والين، بل شملت عملات أخرى مثل الجنيه الإسترليني الذي ارتفع بنسبة 6.6 في المائة، والكرونة السويدية والفرنك السويسري اللذان حققا أيضاً مكاسب ملحوظة. في المقابل، كان الدولار الكندي من العملات القليلة التي لم تتفوق على الدولار الأمريكي.
التأثير على الأسواق المالية والذهب
الأسهم الأمريكية والمفارقة العجيبة
رغم ضعف الدولار، ساعدت الرهانات على انخفاض أسعار الفائدة الأسهم الأمريكية على التخلص من مخاوف الحرب التجارية والصراع في الشرق الأوسط لتصل إلى مستويات قياسية. لكن ضعف الدولار يعني أن مؤشر "ستاندرد آند بورز 500" لا يزال متأخراً كثيراً عن منافسيه في أوروبا عند قياس العوائد بالعملة نفسها.
صعود الذهب كملاذ آمن
سجل الذهب مستويات قياسية مرتفعة هذا العام مع استمرار عمليات الشراء من قِبل البنوك المركزية والمستثمرين الآخرين القلقين من انخفاض قيمة أصولهم الدولارية. وتتوقع "غولدمان ساكس" أن يصل الذهب إلى 3000 دولار للأونصة بحلول نهاية 2025، بارتفاع 11 في المائة عن المستويات الحالية.
هذا الصعود في أسعار الذهب يعكس فقدان الثقة في الدولار كملاذ آمن تقليدي، حيث تسعى البنوك المركزية لتنويع احتياطياتها بعيداً عن الدولار منذ عام 2022.
نحو تغيير في النظام النقدي العالمي؟
إعادة تقييم الاحتياطيات العالمية
أعرب كبار المستثمرين، من صناديق التقاعد إلى مديري احتياطيات البنوك المركزية، عن رغبتهم في تقليل تعرضهم للدولار والأصول الأمريكية، وتساءلوا عما إذا كانت العملة لا تزال توفّر ملاذاً آمناً من تقلبات السوق.
رغم ذلك، يجادل أندرو بولز، كبير مسؤولي الاستثمار في الدخل الثابت العالمي في شركة "بيمكو" العملاقة للسندات، بأنه لم يكن هناك تهديد كبير لوضع الدولار بوصفه عملة احتياطية عالمية بحكم الأمر الواقع. لكن هذا "لا يعني أنه لا يمكن أن يكون هناك ضعف كبير في الدولار الأمريكي".
التحول نحو التنويع
تشير الدراسات إلى أن البنوك المركزية تسعى بشكل متزايد لتنويع احتياطياتها. فبينما لا تزال حصة الدولار تمثل حوالي 63 في المائة من الاحتياطيات العالمية، إلا أن هناك اتجاهاً متنامياً نحو زيادة الاستثمار في أصول بديلة مثل الذهب والين الياباني واليوان الصيني.
التوقعات المستقبلية والسيناريوهات المحتملة
احتمالات الاستقرار النسبي
رغم الانخفاض الحاد، يتوقع بعض المحللين استقرار العملة. يقول جاي ميلر، كبير استراتيجيي السوق في مجموعة زيورخ للتأمين: "أصبح ضعف الدولار تجارة مكتظة. وأعتقد أن وتيرة الانخفاض ستتباطأ".
المخاطر المستمرة
تبقى المخاطر قائمة في ظل استمرار حالة عدم اليقين حول السياسات الأمريكية. يقول جوردان روتشستر، رئيس وحدة استراتيجيات أدوات الدخل الثابت والعملات في بنك "ميزوهو": "الدولار يواجه حالة من عدم اليقين. إنه سوق يفتقر إلى اتجاه واضح بسبب التغير المستمر في سياسات ترامب".
الخلاصة: نهاية عهد أم أزمة مؤقتة؟
يمثل الأداء الكارثي للدولار في النصف الأول من 2025 نقطة تحول محتملة في النظام النقدي العالمي. فبينما تحافظ الولايات المتحدة على قوتها الاقتصادية الأساسية، إلا أن السياسات المتقلبة والعجز المالي المتزايد يقوضان الثقة في العملة الأمريكية.
التحول نحو اليورو والين وحتى الذهب كبدائل استثمارية يشير إلى بداية عصر جديد من التعددية النقدية. وبينما قد لا يفقد الدولار مكانته كعملة احتياطية رئيسية في المدى القريب، إلا أن هيمنته المطلقة باتت موضع تساؤل جدي.
النصف الثاني من 2025 سيكون حاسماً في تحديد ما إذا كان هذا الانخفاض مجرد تصحيح مؤقت أم بداية تراجع طويل الأمد لسلطان الدولار على الاقتصاد العالمي.
المصادر الرئيسية:
الوسوم
الدولار الأمريكي | ضعف الدولار | سياسات ترمب | العملات المنافسة | الاحتياطي الفيدرالي

.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار